فالحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول في كتابه الكريم: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .
فعقد الله بهذه الآية الأخوة بين كل المؤمنين دون استثناء منهم أخوة برابطة وحدة الإيمان بالله الواحد الأحد وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
فالمسلمون في الصين أخوة للمسلمين في المغرب العربي، وكذلك المسلمون في إفريقيا أخوة للمسلمين في أمريكا.. الكل ارتبط بعضه ببعض بوحدة الإسلام التي أوجبت عليهم حقوقًا لبعضهم على الآخر.
فقد روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (1) .
فالمسلم في ماليزيا يألم لمصاب إخوته في فلسطين، والمسلم في إفريقيا يحزن لما أصاب إخوانه في العراق.
وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمجحفة: فلما خرج ولم يجد مناخًا تنزل على أيدي الرجال فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عصبية الجاهلية وتكبرها بآبائها. الناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله؛ والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب. قال الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13] ، ثم قال: «أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم» (2) .
وفي خطبة الوداع:
عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: «يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب» (3) فالإسلام بكل وضوح يرفض التعصب للانتماء إلى جنس أو لون؛ فلا تاريخ ولا جغرافية ولا لغة ولا جنس ولا لون.
فبلال الحبشي مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وسلمان الفارسي قال عنه صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا آل البيت» (4) .
والبخاري والترمذي أئمة الحديث، وطارق بين زياد قائد لجيوش المسلمين.
العراق ما كان لينتصر إلا بالإسلام:
لقد فرضت الحرب على العراق جدية الاهتمام بالبحث عن أسباب النصر، وبعدما قدمنا عن القومية العربية ونشأتها وأفكارها يتضح لنا كم هي مناقضة ومعادية للإسلام. ولقد بسط الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله الحديث عن ذلك في كتابه: (نقد القومية العربية) ولكننا إزاء ما حدث في العراق ينبغي أن نتوقف عند عدة نقاط هامة وحيوية:
أولًا: العراق كنظام وحكومة تدين بالقومية العربية وبأفكار ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث.
ثانيًا: الشعب العراقي ينقسم إلى شيعة وسنة، وأكراد. أهل السنة في الأصل بعضهم ينتمي إلى أحزاب علمانية ويسارية موالية للكفار أعداء الإسلام من الأمريكان، وأهل السنة مثل جماعة أنصار الإسلام أو الجماعة الإسلامية وعوام الأكراد.
أما الشيعة فهم يسيطرون على مناطق النجف، وكربلاء. ومعلوم فساد عقيدتهم وبدعتهم، غير أنهم موالون لنظام الحكم في إيران.
وبالنظر لأهل السنة في العراق لا يخفى سيطرة الأفكار البعثية على البعض، والآخر يسيطر عليه شرك القبور وهو شر مستطير منتشر في العراق، ولا يخلو العراق من أقلية من النصارى، وأيضًا فيه قلة من الصابنة، ولكن الإسلام هو دين أغلبية الشعب العراقي.
والنظام االعراقي كم حارب التوجهات الإسلامية الداعية إلى الالتزام بشريعة الإسلام والأخلاق والفضائل، وكان نتيجة ابتعاد الدعاة المخلصين عن توعية الشعب أن انتشرت المنكرات والكبائر والمعاصي؛ غير أن كثيرًا من الشعب اكتوى بنار الظلم والاستبداد، ورغم أن الحكومة العراقية عدلت من خطابها السياسي، وأضافت إليه بعض العبارات الإسلامية والاستدلال بآيات القرآن والإفراج عن كل المسجونين قبل سقوطها إلا أن العقيدة البعثية القومية ظلت هي المسيطرة.
هذه نظرة سريعة لشكل العراق من الداخل كجبهة أمام جبهة الكفر الصليبي الحاقد التي استعدت لتلك الحرب بكل الإمكانيات المتاحة لها من أرقى أنواع الأسلحة المتنوعة في زيادة القوة التدميرية غير تعبئة الأفراد والتمويل المالي؛ يضاف إلى ذلك السيطرة العسكرية على المناطق المحيطة بالعراق فضلًا عن وضوح الهدف الذي أعلنته الإدارة الأمريكية عقب أحداث 11 سبتمبر أنها حرب صليبية بدأت بأفغانستان المسلمة وهو عنوان لم يضعه المسلمون لتلك الحرب، بل تتحمل تبعته الإدارة الأمريكية؛ وذلك بأسلوبها المعادي لكل نشاط إسلامي على مستوى العالم، وملاحقتها بكافة السبل الجماعات الإسلامية المجاهدة في كشمير، والشيشان، وفلسطين المقطوعة الصلة تمامًا بأحداث 11 سبتمبر، وكان اختيار العراق هدفًا للحرب ليس من أجل إسقاط نظام استبدادي، ولا من أجل أسلحة الدمار الشامل أو البترول فقط، ولكن العراق كان هدفًا لما يمثله من تاريخ إسلامي وعاصمة للخلافة في أزهى عصور الخلافة الإسلامية، والعراق كان هدفًا؛ لأنها في تقدير الإدارة الأمريكية هدف ضعيف يسهل التغلب عليه بأقل الخسائر لما يلي:
1)الخلافات والانقسامات الموجودة داخل العراق: سنة، وشيعة، أكراد.
2)الاعتماد على ظلم النظام للشعب مما جعلهم يتوقعون أن يتعاون مع القوات الغازية تحت زعم التخلص من الاستبداد.
3)كثرة الحروب التي خاضها النظام العراقي أضعفت قدراته العسكرية.
4)طول مدة الحصار الاقتصادي الذي أنهك العراق في كل النواحي، وأثر تأثيرًا بالغًا على قدراته العسكرية.
كل ذلك يجعل العراق هدفًا سهلًا يسهل على أمريكا أن تجعل منه نموذجًا في التغريب الأمريكي وإقامة نظام حكم موالٍ للأمريكان يعمل على مسح هوية الشعب تمامًا، وتغريب أفكاره ومبادئه، وتنحية االفهم الإسلامي الصحيح عن الحياة تمامًا، ثم يتجهون بعد ذلك إلى بلد عربي آخر.
[بقلم؛ ممدوح إسماعيل/ عن مجلة البيان]
1)البخاري، كتاب الأدب، حديث، رقم (5552) .
2)أخرجه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان.
3)مسند الإمام أحمد، رقم (22391) .
4)رواه ابن سعد في الطبقات، 4/ 83، 7 / 319، وصححه الألباني موقوفًا على علي رضي الله عنه برقم (3272) .
حماس ما بين فريق"أوسلو"وفِرق الرافضة؛ ماذا تجني؟!
لم ينكر أحد من المسلمين معارضة حماس لفريق"أوسلو"، لتفريطه بالديار، ولما جلب على الأمة من عار، ولذلك كوفئت حماس باختيارها لقيادة المرحلة، ولتأتي بالأفضل، أو تقوم بدور الرقيب الحافظ لحقوق الأمة في كرامتها وعقيدتها.
ولكن المتابع لا يرى إلا الجنوح والتيه عما كان يُرتجى، ولا سيما أن هناك مؤشرات تؤكد أن في حماس بعض النفوس المستعدة للتعامل مع فريق"أوسلو"بذات القيم والعقلية، مما يثير تساؤل؛ أين التمايز إذا كان الكل يتعامل بروح الفصيلة والحزب على حساب الهوية والأمة؟!
وعلى كل حال فإن"أوسلو"المحتضرة - بكل أبعادها ومعطياتها - أضحت معروفة للجميع، ومن أراد أن يأتي بالأفضل فلا بد أن يترفع.
وقديما قال معاوية الحليم رضي الله عنه: (من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال قلوب العباد) .