فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 719

إن هذا هو الشعور الواحد شعور الأمة الواحدة، كما قال الله سبحانه: (( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ) ) (سورة الحج: 78) هو: أي الله عز وجل، سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا: أي في هذا القرآن: (( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ) (سورة الحج: 78) ز

ويقو صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه: (( ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثى جهنم، قيل: وإن صلى وصام، قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ) ) ( [1] ) .

إنَّ لنا ثلاثة أسماءٍ سمانا الله بها (المسلمين) ، (المؤمنين) ، (عباد الله) ، إذن دعوى الجاهلية التي جاءت في هذا العصر الحديث، وتوعد عليها بأنَّ صاحبها من حثى جهنم هو كل تعصب لغير هذا الدين، سواءً كان تعصبًا لجنس، أو لقبيلة، أو لوطن، أو لأرض، أو لقومية، أو لغة، فكل تعصبٍ لغير هذا الدين على غير حق فصاحبه قد دعى بدعوى الجاهلية.

فالتعصب للأوطان أو للأنساب، أو الدعوة للقومية أو الوطنية هو أمرٌ من أمور الجاهلية، فكيف بالسعي لتعميق هذه الانتماءات، ثم أيضًا التفريق بين الناس على هذا الأساس، ووزنهم بهذا الميزان: ميزان القوميات والوطنيات واللغات والأجناس؟ إنَّ هذا كلَّهُ من دعوى الجاهلية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من غراء الجاهلية) .

و قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، ومثلهُ التعصب للمذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعض على بعض، وكونه منتسبًا إليه يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي ويزن الناس به، فكلُّ هذا من دعوى الجاهلية".

ثم نتذكر القصة المشهورة التي رواها البخاري ومسلم عندما ضرب رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، فقال المهاجرين: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها خبيثة، دعوها فإنها منتنة ) )رواية البخاري (( دعوها فإنَّها خبيثة ) )، ورواية مسلم: (( دعوها فإنها منتنة ) )مع أن هذه"يا للأنصار يا للمهاجرين"أوصاف يحبها الله ورسوله، فإنَّ الله عز وجل سمَّى المهاجرين بهذا الاسم، وهو الذي سمى الأنصار بهذا الاسم فقال: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) ) (سورة التوبة: 100) ومع ذلك لما أصبحت الدعوة هنا على غير حقٍ تعصب للباطل، أصبحت من دعوى الجاهلية، فكيف بغير ذلك أيُّها الأخ الكريم.

ومما يجدرُ أن نذكره في هذا الحديث ما ذكره بعض الدعاة إلى الله عز وجل عن قصةٍ مؤثرة ينبغي أن نأخذ منها عبرة...يقول:

(أنه عقدت ندوة في فلسطين المحتلة عام 1980هـ وبالتحديد في 19/12/1980هـ، حضرها من مصر الدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق وحضر هذه الندوة عددٌ من الأساتذة اليهود المتخصصين في الشؤون السياسية والعربية، فقال خليل هذا: (( أودُّ أن أطمئنكم، أننا في مصر نفرق بين الدين و القومية، ولا نقبل أبدًا أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة إلى عقائدنا الدينية) ، فوقف أحدُ اليهود بروفيسور اسمه"دافين"قائلًا: (( إنكم أيُّها المصريون أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة، ولكنني أحب أن أقول لكم، إننا في إسرائيل نرفضُ أن نقول إنَّ اليهودية مجرد دينٍ فقط؛ بل إننا نؤكد لكم أنَّ اليهودية دينٌ وشعبٌ ووطن) ، وقام آخر البروفيسور"تيفي ياقوت"وقال: (أودُّ أن أقول للدكتور مصطفى خليل، أنَّه يكون على خطأ كبير إذا أصر على التفريق بين الدين والقومية، و إننا نرفضُ أن يعتبرنا الدكتور خليل مجرد أصحاب دين لا قومية، فنحنُ نعتبر اليهودية ديننًا وشعبنًا و وطننا) إلى آخر كلامهِ الذي ذكر فيه أن القومية أوروبية المنشأ والمصدر، وأنَّ الأوربيون صدروها إلى الشرق.

ألا شاهت وجوه الناعقين بالانتماء لغير الإسلام، الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، فلهم أقول: خذوا الدروس من هذا اليهودي إذا كنتم قد صددتم عن أخذ الدروس من الكتاب والسنة.

[1] أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم، وهو حديث صحيح، صححه جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا، وممن صححه في عصرنا سماحة الإمام الشيخ: عبد العزيز بن باز - رحمه الله والعلامة الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله.

23/3/1426 هـ

الأقليات الإسلامية . . واغتيال الهوية الثقافية

شذى شريف

يعاني المسلمون في مختلف أنحاء الأرض -حيثما وُجدت الحكومات المستعبدة المتطرفة في بلدان الغرب وآسيا وأمريكا- من اضطهاد وتفرقة عنصرية على المستوى الشعبي من المتطرفين وعلى المستوى الحكومي، هذا إلى جانب خطر أكبر يهدد هذه الجاليات على مستوى أنحاء العالم، وهو محو الهوية الإسلامية في ظل إعلام غربي يرسخ لمبادئ الانحلال وإعلام عربي وإسلامي ضعيف لا يصل إلى الطوائف المسلمة أينما كانت.

ويبلغ عدد المسلمين الذين يقطنون الدول غير العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي نحو (450) مليون مسلم على مستوى قارات العالم الست، وهو ما يقدر بثلث عدد المسلمين، وعلى وجه التحديد يزيد عدد المسلمين في دول الغرب عن (25) مليون نسمة، يعيش منهم (16) مليون مسلم في أوربا ـ عدا ألبانيا والبوسنة حيث المسلمون أكثرية ـ و (8) ملايين مسلم في الأمريكيتين، وحوالي نصف مليون مسلم في استراليا.

محو الهوية!

تواجه الأقليات المسلمة السابق ذكرها محاولات ـ سواء بشكل مقصود أو عفوي ـ لمحو الهوية، أو ما يسميها البعض باغتيال الهوية، لما في هذا الأمر من نية مدبرة من قبل الغرب، وتشمل هذه التحديات المستويات الثقافية والاجتماعية والإعلامية والتربوية والتعليمية. ويكون الاغتيال الاجتماعي عن طريق بث العادات والتقاليد الغربية التي تتسم بقدر كبير من التسيّب، والذي يتنافى مع الدين الإسلامي ويتنافى مع واقع الأسرة المسلمة وعلاقات أبنائها مع بعضهم، والعلاقات الاجتماعية داخل الأقلّيات، وعلاقاتها بالوسط الذي تعيش فيه.

بالإضافة إلى التفكك الأسري، الأمر الذي يؤدي إلى انحراف الأبناء دينيًا وسلوكيًا، وتمردهم على الأعراف الأسرية والاجتماعية الإسلامية، وقد يجد الأبناء في الصداقات مع أبناء غير المسلمين ملجأ للهروب من ضغوطات البيت.

أما الاغتيال الثقافي فيكون عن طريق اقتلاع التاريخ الإسلامي من الواقع وتحويله إلى مجرد ذكرى مشوّهة في عقولهم، وتستند حكومات الغرب في القيام بهذا الدور إلى إعلام قوي يمكنها من بثّ السم في عقول وحياة الجاليات المسلمة التي ترى من المجتمع ما يكفي لمسخ هويتها الثقافية وتحويلها إلى مجرد ثقافة ممسوخة أخذت من الغرب كل شيء وتحوّلت إلى صورة مماثلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت