فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 719

إن قتل الشيخ ياسين برهانٌ عملي لنسف كل محاولة للسلام الهزيل ورسالةٌ واضحة أن الصهاينة لا يرضون بوجود آخر غير وجودهم ولو كانوا أبناء فلسطين الأصلاء . . وأصحاب القضية العادلة ( تلك رسالةٌ لعموم العرب والمسلمين ) وهي رسالة للساسة والزعماء بأن منهج التصفية وأسلوب الغدر هو سلوك إسرائيل وأخلاق اليهود ، وأن اليهود قادمون وسيبحثون عن من يختبئ أو يظهر وسيعاقبون ـ إن تُركوا ـ الجبناء ، وأصحاب الشجاعة ، ولن يبالوا بمن داهنهم فترة من الزمن ، فسكين الجزار لن تتوقف ما دام الجزارُ قادرًا على الذبح والإبادة .

إنها مآسٍ وقروح ولكن جولة البغي ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:141)

وهنا يرد السؤال وماذا سيكون ردُّ المجتمعين في مؤتمر القمة القادمة لا سيما وقد انتهى زمن التضليل والتخدير وما عادت الشعوب الواعية تقتنع بالمسكنات وامتصاص الغضب ، أو ترضى بمجرد البيانات الختامية أو حتى الخطابات الثورية . . إنها تنتظر مشاريع استراتيجية عملية وتتلهف إلى رفع الهوان ووضوح الهوية وسلامةِ الراية ونزاهة القضية وإذا سكتت الأمة على هذه الجريمة أو اكتفت بمجرد الشجب والتنديد فالعدو لا يغتال (ياسين) وحده بل يغتال الأمة بأسرها ، ولن تقف اعتداءاته في فلسطين بل سيجاوزها إلى غيرها ، وفي العراق درسٌ وشاهدٌ ، وفي المخطط والدهاليز فصول أخرى؟ .

والأمر المهم ـ في نظري ـ أن نتجاوز العواطف مع أهمية إثارتها إلى استثمار الحدث استثمارًا إيجابيًا ، وذلك بالأمور التالية:

1 ـ ينبغي أن لا نفرغ طاقاتنا للتفاعل مع الحدث بخطابات حماسية وقتية لا تلبث أن تخبوا بل ينبغي أن نعضد ذلك بمشاريع عملية نافعة وخطط مستقبلية مدروسة لمواجهة اليهود ومن وراء اليهود ، ولتحرير المقدسات وتثمين القضايا الكبرى.

2 ـ وألا يكون ثمة انفصامٌ أو اختلاف في هذه المشاريع بين المشاعر الشعبية والمواقف الرسمية فيُضرب بعضنا ببعض ويظل العدو متفرجًا على مآسينا.

3 ـ أن نستثمَر وسائل الإعلام العربية والإسلامية مثلَ هذا الحدث لمزيد التعريف بقضيتنا الكبرى (فلسطين) وأن نوظف الطاقات الإعلامية والفكرية لفضح المخططات الصهيونية ، بل والغربية في منطقتنا وعلى شعوبنا المسلمة.

4 ـ ألا نظل نحن المسلمين في دائرة دفع التهمة ، نخشى الوصف (بالإرهاب) ونتحسسُ من (الجهاد) ، وبالتالي نظلُّ محبوسين في المربع الذي اختاره لنا أعداؤنا ، وأوشكوا أن ينجحوا بتقسيمنا إلى فئتين فئة تمارس الإرهاب وأخرى تقاومه والخسارة بكل حالٍ علينا وعلى مؤسساتنا ووحدتنا ، والعدوّ كاسبٌ متفرجٌ بكل حال.

5 ـ أن نبعث قضية فلسطين ومثيلاتها من قضايانا في مناهجنا التعليمية بشكل يشعر الدارسين بعدالة قضاياهم ويُحملهم مسؤولية الدفاع والحفاظ عليها وألا نستجيب للمخطط الرامي لتفريغ المناهج من أهم محتوياتها .

6 ـ أن تُجدد فينا هذه الجريمة الجديدة دعمنا المستمر للقضية الفلسطينية ماديًا ومعنويًا ، وأن نحطم أغلال الحصار الاقتصادي الذي تراد لنا ولهيئاتنا الخيرية ومؤسساتنا الإسلامية ، وإذا تأخر أو تباطأ دعمنا الماديُّ للقضية الكبرى فليكن في مثل هذه المآسي البشعة ما يجدد العزائم .

7 ـ أن نمزج مشاعر الحزن بمشاعر الفأل ، وأن نطرد اليأس والإحباط باليقين والشعور بالعزة والثقة بالنصر ، وهنا تتحول المحن إلى منح ، والأزمات الخانقة إلى مخارج واسعة نبصر فيها بوارق النصر قبل وقوعها .

8 ـ لا حرج علينا وقد بلغت الأمور ما بلغت أن نقتص ممن ظلمنا وأن ننتصر على من اعتدى علينا ، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا بمثل ما اعتدى عليكم ، والبادي أظلم والمظلوم منصورٌ بنص القرآن: ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ) (الاسراء: من الآية33)

9 ـ ومن الأهمية بمكان أن تشعرنا هذه النوازل بالهوية التي نُقاتل من أجلها فلا يزيدنا صلفُ العدوِّ إلا تمسكًا بإسلامنا ، وأن تفعل هذه المصائب فعلها في نفوسنا لمراجعة الذات والعلاقة بالخالق ، والتوبة النصوح والجدية في الحياة ، وبناء المستقبل الراشد.

10 ـ وقبل أن يُوارى الجثمان ودم الشهيد على قارعة الطريق توصي أمريكا بضبط النفس ؟ بعد أن فجَّرت وحليفتها أسرائيل المشاعر ، وإذا كان هذا أولَ ردِّ فعلٍ أمريكي دلّ ذلك على تواطئهم في الجريمة وأكد على أن الدولتين الحليفتين مصدرُ الإرهاب ومُصدِّراته ، وأن الحملة على الإرهاب ما هي إلا دعاوى فارغة وتغطية لمشاريع الاستعمار في عالمنا الإسلامي.

11 ـ بدايةُ حياة الشيخ ياسين رحمه الله ونهايته ، وخلاصةُ تجاربه ومجموع جهاده درسٌ عظيمٌ للكسالى وأصحاب الوهن، فالمرضُ لا يُقعد والشيخوخة لا تعوّق والبطولة ليست وهمًا فارغًا ، ولا جعجعةً وادعاءً بل هي عزمٌ وتصميم ، وامتلاءُ القلب بالصدق والإخلاص ، وجهادٌ وصبر حتى اليقين ، والموعدُ يوم الجنائز؟

12 ـ ودرسٌ من التاريخ لا بد أن نعيه وفصولٌ من الملاحم حول فلسطين لا بد أن نستحضرها ونؤمن بها ، والدرسُ يقول والتجربة تؤكد أن ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ إلا بها ، وكلُّ ساعةٍ نتأخر فيها عن إعداد العدَّة وعقد ألوية الجهاد ( وبكافة أنواع الجهاد ) فإنما نُمكن للعدوِّ أكثر ، ونزيدُ في أمد الاحتلال ، ونضعف في مقاومة الاستعمار.

14 ـ وينبغي ألا نستغرب تحالف اليهود والنصارى ضدنا ، وهم يتبادلون الأدوار ويتعاونون لمجابهتنا ، وهل غاب عنا أن ( بذرة ) اليهود في فلسطين ( نصرانية، صهيونية الهويّة ) ( بلفورية الوعد ) ولكن الذي يجب أن ننكره أن يكون فينا سماعون لهم ممهدون لخططهم ، وقاتل الله النفاق ، والمنافقون ملعونون أينما ثقفوا ومهما كانت ألوانهم ومذابهم.

15 ـ يا أمة الإسلام كفى سعيًا وراء السراب ، ومؤلم أن نظلّ نتغنى بأمجاد أمتنا دون أن نرتقي مراقِ المجد ، ولا يكفي أن نردد أسماءً لامعة مجاهدة في تأريخنا كخالد وطارق ونور الدين وصلاح الدين وأمثالهم رحمهم الله .. وكأن أرحام النساء عقمت أن تلد أمثالهم.

16 ـ يا أيها العلماء اصدقوا مع الله في علمكم وأوفوا بالميثاق الذي أخذه عليكم ، يا أيها الساسة اصدقوا الله في عهودكم وكونوا قادة صالحين لشعوبكم ، يا أصحاب الفكر والقلم هذا أوان الجهاد بالكلمة ، وهي أمانةٌ وتبعة ، يا أهل المال جاهدوا بأموالكم قبل أن تُسلبوها فالأمة أحوج ما تكون لدعمكم، يا أهل التربية والدعوة جددوا في أساليب تربيتكم ودعوتكم وانقذوا الأجيال من الضياع والانحراف فما بقي فرصة للهو واللعب والفساد.

17 ـ وأخيرًا أخي الشاب أختي الفتاة إن الجهد الذي تصنعونه اليوم سيسركم غدًا ، والغفلة والضياع الذي تمارسونه اليوم ستتحملون أنتم وأولادكم تبعته بعد حين، أنتم قلب الأمة النابض ، وأملها في الحاضر والمستقبل ، فكونوا على مستوى التحدي وكونوا لوحةً صادقة لإسلامكم ومرآة عاكسة لجهادِ وجهود أمتكم ، لا يفتنكم الكافرون ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون .

الاكتئاب

د. عبدالله بن دهيم

يعرفه البعض باسم"نزلات البرد للصحة العقلية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت