وهكذا في كل مواجهة بين الأمة الإسلامية ، وبين أعدائها ، كان الإسلام هو الحصن الذي فشلت تحت أسواره محاولات القضاء على الأمة على مدار التاريخ.. وكانت (الهوية الإسلامية) هي الحافز الرئيسي الذي دعم جهاد الأمة ضد أعدائها ، سواء في الحروب الصليبية ، أو غزو التتار ، أو حروب الفرنجة ، أو غيرها.. حيث كانت الأمة تندفع بهويتها الإسلامية لتقدم قدراتها القوية ، فسرعان ما تنهزم قوى الباطل ويعود المسلمون إلى امتلاك إرادتهم ، وبناء أمتهم ، ونشر كلمة الله في العالمين.. هذه هي عبرة التاريخ..
وأما درس الواقع.. فقد"أثبت لنا تاريخ صراع الأفكار والمذاهب في القرن الأخير في المجتمعات الإسلامية أن الأمة الإسلامية رفضت محاولات إسقاطها النهائي أمام الأمم الأخرى وحضاراتها،... وأنها لا تزال تحتفظ بجوانب من القوة في مقوماتها الإسلامية وخصائصها الذاتية المستغلة ، على الرغم من غزو الحضارة الغربية لقيمها وحياتها وسلوك أفرادها" (9) ، ولا تزال ترى أن الإسلام هو المنهج الذي يمثل خصائصها ، ويحدد هويتها ، ويرسم الطريق الأمثل والوحيد إلى أهدافها الحضارية..
وليس أدل على ذلك من هذه الصحوة الإسلامية ، وتلك الجحافل الساجدة لله . بالفكر والسلوك.. الساعية إلى إخراج الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة وقيادة البشرية .
إن الإسلام وحده هو (هوية الأمة الإسلامية) وهو عصب حركتها ومحور اجتماعها ، وهو القوى الدافعة التي تفجر طاقات الأمة وتقوي وقفتها في مواجهة أعدائها . ويوم أن كان الإسلام هو هوية هذه الأمة ، كان المسلمون هم سادة الأرض بحق وصدق وعدل.. وبغيره ستظل الأمة تلهث وراء المظاهر الحضارية تحسبها التقدم ، وهي القشور والخداع .
وبكلمة: لقد بلور الإسلام (هوية الأمة الإسلامية) ، ومنح أفرادها (الجنسية) الإيمانية ، فاجتمعوا حول الإسلام وربط بينهم حبل الله كارتباط الجسد الواحد.. ولم يستطع الغزو العسكري أو الفكري أن يحكم الأمة الإسلامية بغير الإسلام إلا في ظل سياسة العصا الغليظة ، والاستبداد السياسي ، والظلم الاجتماعي ، والأنظمة الجبرية.. حيث تلغى إنسانية الإنسان ، وتطارد حريته ، وتصادر هويته!!
... واليوم يبقى الإسلام هو (وحده) المنهج الذي يمثل خصائص الأمة ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية.. ذلك أنه هو (هوية الأمة الإسلامية) .
الهوامش:
1-ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر - ص 139 .
2-فقه الدعوة - ملامح وآفاق: عمر عبيد حسنة ص 72 .
3-الولاء والبراء - محمد سعيد القحطاني ص 415 .
4-الإسلام والمدنية الحديثة - أبو الأعلى المودوي ص 44 .
5-تطور الفكر السياسي في مصر - عبد الجواد ياسين ص 45 .
6-تطور الفكر السياسي في مصر - عبد الجواد ياسين ص 46-47 .
7-مستفاد من كتاب واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب .
8-قبل أن يحولها سعد ورفاته من ثورة إسلامية إلى ثورة وطنية لاعلاقة لها بالدين .
9-المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري - د. محسن عبد الحميد ص 41 .
الاستغراب: محاولة جادة لتحصين الهوية
مقال
«الاستغراب» *
محاولة جادة لتحصين الهوية
د. أحمد بن محمد العيسى
ليس هناك حاجة كبيرة لايضاح طبيعة العلاقة القائمة بين الشرق الإسلامي ، والغرب (النصراني العلماني) من الناحية العسكرية والسياسية منذ أن تمكنت الدولة الإسلامية الوليدة من تهديد وجود الدولة الرومانية في الشام ومصر وشمال أفريقيا ، ومن ثم تهديد أوربا ذاتها. لقد كان أساس هذه العلاقة ولايزال ، الصراع والصدام العسكري. وعلى الرغم من أن أهداف الفريقين لم تكن واحدة ، إلا أن كل فريق يرى في الفريق الآخر منافسًا قويًا وعدوًا لدودًا يسعى إلى فرض سيطرته ، وفرض نظامه العقدي والحضاري في منطقته وبين سكانه. والمسلمون في عصورهم الزاهية كانوا يرون الامتداد الطبيعي للدعوة والجهاد يسير في الاتجاهين: الشرق من بلاد فارس والهند وآسيا الوسطى إلى جنوب شرق آسيا ، وفي الغرب من المغرب العربي والأندلس إلى جنوب أوربا وشرقها. والغرب كان يرى الامتداد الطبيعي لمصالحه وسيطرة مملكاته النصرانية (في العصور الوسطى) ثم دوله الاستعمارية وشركاته المتعددة الجنسيات ، في العصور الحديثة يسير في اتجاه الشرق ، ولابد أن يخترق العالم الإسلامي بأكمله حتى يصل إلى الشرق الأقصى.
ورافق علاقة الصدام العسكري والسياسي ، بعدٌ حضاري وثقافي شديد الوضوح والاستقطاب ، فكل فريق منتصر يقوم بتثبيت أركان نظامه العقائدي ورؤاه الحضارية للكون والإنسان في المناطق «المحررة» ، وغالبًا ما يقوم الفريق المنهزم كما يقرر ابن خلدون بتقليد الفريق المنتصر «ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه ، في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله..» (1) .
ولهذا فلو تتبعنا العلاقة الثقافية بين المعسكرين منذ عصر صدر الإسلام ، وحتى اليوم نجد أنها تميزت بمراحل ثقافية وتاريخية متميزة:
1-في أول عصور الاصطدام الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني ، لم يكن للدولة الرومانية المنهزمة أي فعل حضاري متميز ، عدا بعض ما نقله المسلمون من أدواتهم الثقافية مثل حركة تعريب الدواوين وسك العملات.. ولهذا فقد دخل سكان البلاد التي فتحها المسلمون في الدين الحنيف دون مقاومة كبيرة.. ولكن حصل بُعيد ذلك وفي أواخر عهد الدولة الأموية ، ثم تطور في عهد الدولة العباسية ، ماسمي في التاريخ الإسلامي «بحركة الترجمة» ، حيث تُرجمت العلوم اليونانية ، مثل الفلسفة والرياضيات والفلك ، إلى العربية. وعلى الرغم من أن هذه الحركة قد أثرت تأثيرًا مهمًا في الفكر الإسلامي حيث ظهرت بعض المذاهب «العقلانية» المتأثرة بالفلسفة اليونانية مثل مذهب المعتزلة ، إلا أن هذا التأثير كان تأثيرًا ذاتيًا تم بمبادرة من المسلمين ، ولم يكن فعلًا ثقافيًا مفروضًا من الخارج.