فهرس الكتاب
وبجاه التبعية
أعطنا يا رب جنسية أمريكا
لكي نحيا كرامًا
في البلاد العربية
العولمة من خلال رؤية إسلامية
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدهُ ونَستعينُهُ ونستغفره، ونعوذ بالله مِنْ شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مِنْ يَهدِه اللهُ فَلَا مُضل لَهُ، وَمَنْ يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ? [آل عمران: 102] .
?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [النساء: 1] .
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [الأحزاب: 70، 71] .
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم، واقتفى أثرَهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالحديثُ في السنوات الأخيرة تكرر حول عنوان كثيرًا ما يظهر؛ إما في عناوين الكتب، أو في الطُّرُوحات الأخرى؛ كالمجلات والصحف والوسائل الإعلامية، وهذه الطُّرُوحات المتنوعة المتعددة كثيرًا ما تتحدث عن هذه القضية التي سنعرض لجانب منها؛ ألا وهي:"العولمة"، وسنُرَكِّز عليها في إطار"نَظراتُنا لها من خلال المنهج الإسلامي".
تعريف العَوْلَمة
إنَّ العولمة من خلال تعريف سهل ميسر هي: جَعْلُ العالَم واحدًا.
فهي مُشتقَّة من العالَم؛ فهي تَفاعُل وانْفِعالٌ يقصد إلى جَعْل العالَم واحدًا في تَوَجُّهاتِه وأحواله الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
وهذه الدعوة التي اتَّخَذت اسم"العولمة"لا تقتصر على الطَّرْح الفكري أو الإعلامي فقط، وإنما تُمَارس الطَّرْح العملي في حياة الأمم والشعوب، ويُهِمُّنا نحن المسلمين أثرها ومؤثراتها علينا وعلى ديننا وعقيدتنا وأخلاقنا.
ونحن نعلم بادئ ذي بَدْء أَنَّ الإسلام نفسَه دِينٌ عالَمي، فلو استَعَرْنا المصطلح لَقُلْنا: إنَّ دِين الله سبحانه وتعالى يسعى إلى عولَمةِ العالَم، لكنْ من خلال أصول تُسْعِد الإنسانَ في الدنيا والآخرة، من خلال منهج رباني دَعَت إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومِن ثَمَّ فتاريخ الرُّسل وعقيدتهم ومنطلقاتهم واحدة، فَلَمَّا خُتِمت الرسالات بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جعلها الله للعالمين جميعًا: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا? [سبأ: 28] ؛ ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ? [الأنبياء: 107] .
وبالفِعْلِ انْطَلَق الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم مَشْرقًا ومَغرِبًا، ينشرون دين الله سبحانه وتعالى، حتى إنهم لَمَّا قابلتهم البحار قال قائلهم: لو أنني أعلم أن بلادًا خَلْف هذا البحر لركبتُ إليها ؛ ماذا يقصد؟!!
إِنَّه نشرٌ لدين الله سبحانه وتعالى، وإخراجٌ لهم من النَّار إلى الجنة، ومن عبودية العباد إلى عبودية رب العباد تبارك وتعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ومِنْ ثَمَّ فمِثل هذه الدعوة بمجردها تَطْمَح إليها جميع الأمم؛ فالشيوعية حاولت أن تكون عالمية ولكنها جُوبِهت، والاستعمار الحديث - وأعني به في القرن الماضي - حاول أن يَفرض نفسه على العالم كله، لكنه واجَهَ مقاومات وفشل إلى حد كبير، فالمحاولة الأخيرة التي نعيشها في السنوات الأخيرة هي محاولة ضمن تاريخ ونُسُق عاشته قوى وأمم أرادت أن تفرض فِكْرَها وعقيدتها وأخلاقها ونظام حياتها فيمن تستطيع أن تفرضها عليه.
خُطُورةُ العَوْلَمة في وَاقِعِنا المُعَاصِر
وأَخْطَرُ ما في العولمة التي نعايشها في هذه السنوات الأخيرة أنها قامت على خمسة أَذْرُع، وهذه الأذرع في الحقيقة أدَّتْ إلى ما نعايشه اليوم من خطر أحسَّتْ به غالبيةُ الدول؛ إسلاميةً كانت أو غير إسلامية، لكنَّ الإحساس بالخطر كان من جانب المسلمين أكبر لأمر؛ وهو أن هذه العولمة وإنْ وُجِّهت إلى دول العالم كلها؛ إلا أنها موجهة إلى العالم الإسلامي بشكل واضح وصريح.
العَوْلَمة وأَذْرُعُها الخَمْسة!!
الأول:"الذراع العسكري".
ويُقْصَد به القوة العسكرية الضاربة التي تريد أنْ تَفرض العولمة من خلال هذه القوة، وقد سمَّاها بعض رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية من عشر سنين بـ"العصا الغليظة".
وسمى شَعْبَه هناك بـ"شعب الله المختار"الذي أرسله الله إلى العالمين؛ ليبثوا وينشروا فيهم الديمقراطيةَ أو الحريةَ، وحقوقَ الإنسان والرخاءَ الاقتصادي ونحو ذلك، فهذه العصا الغليظة بمنجزاتها العسكرية المتنوعة - سواء منها ما يتعلق بالسلاح النووي والبيولوجي، أو بأسلحتها المتنوعة المختلفة الأخرى المعروفة - هم يَسعَوْن بهذه القوى العسكرية إلى أنْ يفرضوا عولَمتهم.
الثاني:"الذراع السياسي".
ويكون استخدامه من خلال السيطرة على المنظمات السياسية العالمية وتوجيهها الوجهة التي يريدونها، ومن ثَمَّ نجد أن هذه التوجهات والمنظمات السياسية العالمية تسير وتُقَاد بطريقة معينة، وتفرض من خلال ضغوطها وشروطها ونظمها ومواثيقها على دول العالم الأخرى السير في الركب؛ شاءوا أم أبوا !!
ومن ثَمَّ استخدم الغرب هذه الذراع لفرض هذه العولمة مع الأذرع الأخرى التي سنوردها هاهنا.
الثالث:"الذراع الاقتصادي".
ويستخدم أيضًا من خلال المنظمات العالمية، وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية والبنوك العالمية الكبرى، والشركات العالمية، ومن خلالها يحاولون أن يُعَوْلِموا العالم، ويسيطروا عليه اقتصاديًّا، ونَعْلَم أهمية القضية الاقتصادية فيما يتعلق بحياة الأمم والشعوب؛ فتَجِدُ مثلًا بعض هذه القوى الاقتصادية أو الشركات تستطيع بقدرتها المالية أن تبتلع دولًا، وهذا الابتلاع مقتضاه أن هذه الدول تصبح مدينة خاضعة تُمْلِي عليها النظم والحياة، وتسير من خلال استعمار اقتصادي، والتجارب متعددة، وما جرى لشرق آسيا حين حاولوا أن ينهضوا اقتصاديًّا - بما سُمُّوا بالنُّمور هناك - جَعَلَتْ أعداء الله - سبحانه وتعالى - يتدخلون في أمور هذه الدول من خلال الناحية الاقتصادية، ويخترقون شركاتها وأسسها الاقتصادية، ثم بطُرُق معينة يلعبون بالاقتصاد لينهار السوق في ساعات محدودة!!
كيف سار هذا؟!
إِنَّه استخدام لهذه الذراع الاقتصادية؛ لأجل إخضاع كل من لا يسير على الطريق الذي لا يريدونه، وإذا ما برزت قوة اقتصادية حاولوا تدميرها بقواهم الاقتصادية الأخرى.
الرابع:"الذراع التقني والعلمي".