فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 719

ونستطيع أن نعتبرها من أهم هذه الأذرع؛ لأنَّ أثرها كان كبيرًا، فأعداءُ الله في السابق حاولوا عولمة العالم واستعمار العالم الإسلامي، لكنْ ما كانت التقنية العلمية - المتمثلة في الاتصالات ووسائل الإعلام والشبكات العنكبوتية والمحطات الفضائية وغيرها من الوسائل - ما كانت مؤثرةً وبالغةَ الدقة كما هو الحال في السنوات المتأخرة؛ فهذه التقنية العالية عند الغرب جعلته بالفعل يستخدم هذه الذراع بكل ما يملك من قوة لِفَرض العولمة على غيره من دول العالم الثالث ومنها العالم الإسلامي، وهي قضية واضحة مثل الشمس؛ لأنَّ هذه التقنيات فعلًا قد اخترقت الحُجُبَ، وأصبحت الدول التي كانت تَظن أنها تحيط نفسها بسُور من الجمارك مثلًا أو من غيرها؛ لتمنع وصول ما لا تريده إليها، أصبحت من خلال هذه التقنية تَرِد إلى بلادها وبيوتها، ومن خلال هذه الوسائل التقنية الدقيقة؛ لتخترق الحواجز والحجب، وتَنْفُذ لتنشر ما تريده من فكر وعقيدة وأخلاق ونظم .. إلى آخره.

فهذه الذراع التقنية المتطورة، والتي تتطور بسرعة، استطاعوا أن ينفذوا من خلالها، وهذا النفوذ الخطير هو الذي عَجَّل بالمتغيرات الكبيرة في كثير من بلاد العالم، ومنها بلاد العالم الإسلامي.

الخامس:"الذراع العقدي والثقافي والفكري".

وهي من أخطر هذه الأذرع، وما الأذرع السابقة إلا لأجل أن تُمَكِّن هذا الذراع من أن يصل إلى الدول الأخرى، ويَنْفُذ في داخل المجتمعات من خلال وسائل متعددة، لينشر فيها عقيدة الغرب، ومنطلقاته الفكرية وثقافته، وحضارته ونظمه وأخلاقه وحياته، وهذا هو الخطر الأكبر .

هذه العولمة الثقافية والفكرية والعقدية حاولت أن تَنْفُذ، وتَنْقُل ما عند الغرب من حياة على مختَلف وجوهها إلى تلك الدول؛ مُعَوْلِمة لها، وفارضة عليها ما تريد؛ لتحقق بذلك جميع أهدافها، ومن ثَمَّ فإن هذه الذراع الخطيرة التي نعيشها نحن المسلمين بشكل أوضح؛ لأنَّ عقيدتَنا وإسلامَنا ودينَنا وشريعتَنا متميزةٌ، لها خصوصيتها الدقيقة الواضحة، أي أنه عند شعوب أخرى ربما لا يُهِمُّها أن تَنْتَقل من إلحادٍ إلى إلحاد، أو من كُفرٍ إلى كفر؛ لا يُهمها أن تَنْتَقل من مظاهر حضارية إلى مظاهر حضارية أخرى مختلفة، لا يهمها أن تنتقل مِن نظام وتشريع إلى نُظُمٍ أخرى مختلفة عنها، أما نحن المسلمين فلا؛ فالأمر عندنا خطير وكبير ومُهِمٌّ جدًّا.

آثَارُ العَوْلَمة في الجَانِب العَقَدي والثَّقافي والفِكْري

ومِنْ ثَمَّ فإن التفصيل في هذه الذراع وأثرها مهم جدًّا؛ ونحن نَقِف مع بعض آثارها باختصار:

[1] الانْحِراف العَقَدي

إنَّ من الآثار المتعلِّقة بهذه الذراع العقدية والفكرية والثقافية هو ما يتعلق بالعقيدة ، ونعني بها: أَنَّ حضارة الغرب أصلًا تقوم على الإلحاد، فهي حضارة مادية كافرة، وهي في ظل العولمة تَنْقُل إلينا نحن المسلمين عقيدتها، وإلحادها وماديتها، وهذا أمر واضح المعالم؛ فبلاد أوروبا اليوم تعيش على أصل كبير جدًّا يقوم على ركيزتين:

الركيزة الأولى: هي العلمانية الشاملة.

فهذه هي حياة الغرب، حتى وهُمْ يُدَعِّمون التنصير، ويدعمون الخدمات التي تقدمها الجهات الدينية وغيرها، لكنها حضارة قائمة بأصلها على العلمانية الشاملة.

الركيزة الثانية: أنها تنطلق من الحياة المادية، فالحياة عندهم هي أكل وشرب واقتصاد ?مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا? [الجاثية: 24] .

هذانِ الركيزتان يَبرز من خلالهما - بصورة كبيرة جدًّا - الهدف من كون الغرب يريد أن يُعَوْلِمَ العالمَ الآخر، ومنه العالم الإسلامي؛ فإِنَّه ينقل إليه هذه الأصول الإلحادية الكبرى.

ولكَ أَنْ تتصور حياة الغرب القائمة على الكفر بالله ، سواء كان إلحادًا أو ودينٌ محرَّف..

عبادة المسيح..! عبادة العُزَيْر..! أديان إلحادية أخرى وَثَنِية..!

فهذه هي التشكيلة الغربية سواء ما كان منها فلسفة معاصرة من اشتراكية أو شيوعية، أو من يكون منها مرتبطًا بِنَزَعات دينيةٍ سابقةٍ، لكنها تقوم على الكفر بالله سبحانه وتعالى ، وهي بِمُجْملها يريد العالم أن ينقلها إلينا نحن المسلمين عن طريق العولمة.

[2] الانْحِراف في النُّظُم والتَّشْرِيع

ومما أثر ت فيها العولمة أيضًا: نُظُم الحياة التي نسميها نحن بالشريعة، فالعدو يريد أيضًا من خلال هذه الذراع أن يفرض علينا نُظُمَهُ وحياته، فحياة الغرب ونظمه تختلف تمامًا عن حياتنا نحن المسلمين القائمة على أساس العقيدة التي تَنْبَثِق منها شريعة متكاملة تشمل جميع شئون الحياة، أي أَنَّ الْمُسلم لا يمكن أن يخرج في أي شأنٍ مِنْ شئونه عن شريعة الله سبحانه وتعالى الكاملة: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا? [المائدة: 3] .

والحقيقةُ أنَّ هذا المظهر من أخطر المظاهر؛ لأنَّ مظهر الحياة الغربية بنظمه لَمَّا تَعَوْلَم وانتشر في العالم - ونحن من هذا العالم - فإِنَّنَا نحن المسلمين نكون في هذه الحالة ممن يرتضي نظمًا غربية ونتخلى عن دينه وشريعته، وكما قال علماء السلف الصالح قديمًا: (مَا مِنْ بِدْعَةٍ تَحْيَا إِلَّا وَتَمُوتُ فِي مُقَابِلَهَا سُنَّةٌ) ، فكذلك أيضًا: مَا مِنْ نُظُم حياة تُسْتَوْرَد إلا ويقابِلُها انحسارٌ في شريعة الإسلام بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ وبالطبع فنلاحظ أننا نَفْصِل تمام الفصل بين الشريعة المبنية على أصول عندنا نحن المسلمين وبين القضايا الإدارية البَحْتة، فنحن نتكلم اليوم عن الْأُوْلَى بشكلٍ أساسي، ونتكلم عن الثانية التي تَقْدُم إلينا بأصولها وجذورها.

[3] الانْحِراف الأخْلاقِي

كذلك أيضًا بالنسبة للأخلاق ومعرفة الآثار الأخلاقية للعولمة في بلاد العالم الإسلامي؛ فالفسادُ الأخلاقي المتنوِّع تجد أن هذه الذراع الثقافية بالفعل تؤثِّر وبشكل مباشر، وأظن أن هذا الأمر واضح تمام الوضوح، وأمثلتها كثيرة جدًّا، ونذكر منها:

• المرأة:

وخَصَّصْناها لأنَّها - فِعْلًا - مِيدانٌ ضخم لحرب الإسلام والمسلمين وتَغْيِير أحوالهم؛ فجاءت العولمة بالنسبة للمرأة لتؤَثِّر على كثير مما يتعلق بحياة المرأة المسلمة، سواء ما يتعلق منها بدينها، وأهدافها، وغاياتها، أو بمظاهر الأخلاق والتصرفات، أو بالألبسة والأزياء وغيرها.

• اللغة العربية:

إِنَّ اللغة العربية هي لغة القرآن، فالعولمة الآن تحاول أن تطغى لتجعل لغة العالم هي اللغة الأجنبية، وبالأخص اللغة الإنجليزية، وكثيرٌ من شبابنا اليوم بدأت طموحاته متأثرة بعوامل عِدَّة، يرى أَنَّ النمو الحضاري لن يكون إِلَّا بأنْ يكون صاحب لغة أجنبية يُتْقِنها!!

وإتقانها - والحالة هذه - سيكون على حساب لغته العربية، فكيف إذا تطور الأمر ليكون منهج المدارس الابتدائية وما بعدها؟!

كيف إذا تطور الأمر لتنشأ المدارس العالمية التي تُدَرِّس أحيانا باللغة الأجنبية؟!

كيف إذا تطور الأمر إذا صار الخطاب الإعلامي في كثير من أحواله لا يكون إلا باللغة الأجنبية؟!

ونحن نعلم أَنَّه في الشبكة العنكبوتية لا تكاد تَذْكُر اللغة العربية، أما المواقع التي تُعَدُّ بالملايين باللغات الأخرى وعلى رأسها اللغة الإنجليزية، فهذا التَّصَلُّب اللغوي هو مظهر خطير جدًّا من مظاهر العولمة الفكرية والثقافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت