فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 719

وينتج عن ذلك بالفعل عدةُ مؤثرات تتعلق بالأسرة وبالشباب وبالتعليم، تتعلق بحياة الإنسان وخصوصياته؛ هذه الأمور وغيرها هي من المظاهر الخطيرة بالنسبة للعولمة، وكثير من الناس - وإِنْ طُرِحَت عليه العولمة الاقتصادية أو السياسية أو غيرها - إِلَّا أَنَّه يرى أن الخطر الأكبر حين تكون العولمة فكرية ثقافية أخلاقية؛ لأن الأمم إذا دُمِّرَت من الداخل فإنها ستكون قد انتهت، إذا خَرِبت قلوبُها وعقيدتها وأخلاقها وأهدافها في الحياة، فإنها ستكون غنيمةً سهلة لأعدائها.

إنَّ الأَذْرُع الْأُوْلَى كافَّةً؛ السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والتقني، كلها جاء لتُسْتَخدم لفرض هذا المظهر والذراع الخطير، ألا وهو الخطر العقدي والفكري والثقافي على العالم الإسلامي.

العَوْلَمة والدَّعَوات البَاطِلة

هناك مظاهر عالمية أحيانًا تجدها تُقَادُ مِنْ قِبَل الغرب القوي المسيطر، والعالم الإسلامي يعاني ما يعاني منها؛ ومن أمثلة ذلك:

دعوى"حقوق الإنسان":

فهي في المنهج الإسلامي منضبطة بالضابط الشرعي.

أما اليوم فانظر كيف تدور قضايَا حقوق الإنسان عالميًا ليُفرض المنهج الغربي؛ حتى وهو يَكيل بمكيالين مَفْضوحَيْنِ أمام العالم كله، إنها قضية تُطرح عالميًّا وتتعلق بحقوق الإنسان، والعالم الإسلامي يتلقى مثل هذه الطروحات ولا يدري كيف يتعامل معها؛ طُرُوحات لحقوق إنسان مبنية على المنهج الغربي والإلحاد الغربي، بالرغم من أنَّ لدينا منهج مُؤصِّل ونظيف في حقوق الإنسان، ثم تأتي حقوق الإنسان أو المنظمات العالمية لتبني منطلقاتها على المساواة التامة ، ومقتضى هذا أنه لا فَرْقَ بين دِين ودِين، لا فرق بين من يعبد الأحجار، وبين من يَعبد الواحد القهار؛ فكل هؤلاء سواسِية، وفي منهج الإسلام العظيم لا يمكن أن يستوي هؤلاء: ?لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ? [الحشر: 20] .

?أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ? [ القلم: 35، 36] .

وهكذا عندما تأتي الطُّروحات العالمية، مثل: المساواة بين المرأة والرجل، وهي قضية تخالف الطبيعة؛ فربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: ?وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى? [الليل: 1-3] .

فالليلُ ليلٌ والنهار نهارٌ؛ هذا له طبيعته، وهذا له طبيعته، كذلك أيضًا الذَّكر له طبيعته والأُنْثى لها طبيعتها، فعندما تأتي مثل هذه الدعوات لتنادي بالمساواة، يأتي المنهج الإسلامي ليقول: لا.

فالبديل هو العدل، والعدل أحيانًا يكون بالمساواة، وأحيانًا يكون بعدم المساواة، ولو قال قائل: تجب المساواة بين المجرم وغير المجرم!! لكان جميع الناس يعترضون على مثل هذا الطرح، وهل هناك أعظم إجرامًا ممن يكفر بالله سبحانه وتعالى ويلحد لنساويه بالمؤمن العابد لله تبارك وتعالى؟!

دعوى"تقارب الأديان العالمية":

والمقصودُ بها عولمة هذه الأديان؛ ليخضع الإسلام لها، فعندما تأتي المؤتمرات العالمية كمؤتمر"السكان"، أو"المرأة"، أو غيره .. تجد أَنَّ هذه المؤتمرات تفرض حياة الغرب وثقافته، ونظمه.

والعالم الأخر أو الثالث، ومنه العالم الإسلامي يستجيب ويُوَقِّع ولا يعترض، وليس هذا للجميع، بل فيهم من يعتذر عن مثل ذلك، لكنَّ الغاية لِمِثل هؤلاء هي أن يتحول هذا المؤتمر المنبثق من قضايا غريبة ليفرض على المسلمين في حياتهم ودينهم وتعليمهم وأخلاقهم.

هذه الأذرع الخمسة للعولمة قد أَوْجَدت حالةً في العالم كله ومنه العالم الإسلامي، هذه الحالة سارت مسار نقاش وطروحات متعددة؛ لأن الكل يَحس بها ويراها ويعايشها..

مَوْقِفُ المُجتَمَعَات مِنْ العَوْلَمَة؟!

لقد بَرَزَت مواقف عِدَّة لِفِئَاتٍ عِدَّة مِنْ هَذِهِ العَوْلَمة نُشِير إِلَيها باختصار، ونُفَصِّل فيما نراه أصولًا ومنطلقات في الموقف من العولمة .

الفئة الأولى: وقفت بالنسبة للعالم الإسلامي من العولمة موقفَ المرحِّب بها الداعي إليها؛ ففَتَحَتْ لها ذراعيها، وهَلَّلَتْ لها، وصارت تنتظر سرعةَ تأثيرها في بلاد المسلمين، وهذا النوع يشمل غالبية أصحاب الأفكار المنحرفة في داخل العالم الإسلامي؛ كأصحاب التوجهات الاشتراكية، واليسارية، والقومية، والعلمانية، وأصحاب الحداثة الفكرية على مختلف مدارسها..

فكُلُّ هؤلاء يرحبون بالعولمة، ورأوا أنها ستكون وسيلةً لتحديث بلاد العالم الإسلامي وتغييرها، وهؤلاءِ إنما رحَّبوا بها لأنهم يَعيشون غربةً في بلاد المسلمين، يَعيشون صراعَ نُخَبٍ عربية ترى أنها هي الأعلى فكرًا وثقافةً .. إلى آخره.

لكنها تَصطدم مع أصول المجتمع وقضاياه وأُسُسه الإسلامية والعقدية، وهذا الصراع برزت مظاهرُه أكبرَ فأكبرَ من خلال المرحلة الماضية بالنسبة للصحوة الإسلامية التي بدأت بعد هزيمة (67) (1) ، ومِن ثَمَّ فإن أصحاب هذه الأفكار لَمَّا أقبلَتْ هذه العولمة بأَذْرُعتها وجدوها مخرجًا له، وهذا المخرَج جعلهم يُرحِّبون بهذه الحضارة وعولمتها وفسادها وإفسادها، وتَبِعَهم على ذلك جمهرةٌ من العامة أصحاب الشهوات والفجور؛ فهم يريدون هذه العولمة ليأخذوا منها ما يشاءون بحسب ما تريده شهواتهم.

فهذا النوع من المفكرين والمثقفين رحَّبوا بالغرب، وبكل ما يأتي من الغرب، وليسوا بِدْعًا؛ فقد سَبَقهم قبل سبعين وثمانين سنة مِن أساتذتهم مَن أتى بنفس الفكرة لَمَّا استعمر الغرب العالم الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية ، فكانت هناك دعوات لأدباء ومفكرين في ذلك الوقت تنادي بأن نكون قطعة من أوروبا، وبأن نتحول إلى جزء من الحضارة الغربية؛ رافضين لدينهم وإسلامهم وعقيدتهم وتراثهم.

الفئة الثانية: هي الفئة التي رَفضت العولمة، وهذه الفئة رأَتْ أَنَّ العولمة مظهر من مظاهر الاستعمار والاستعباد، وأنها خطر على الأمة، فرفضتها واعتزلتها اعتزالًا تامًّا؛ وهذا النوع من العجيب أنه انقسم - وإن كانوا قلةً - نوعانِ متضادانِ:

النوع الأول: من الأخيار الذين رأوا أن خطر هذه العولمة يقتضي العزلة؛ عليكَ بخاصة نفسك.

وهذا بلا شك إنِ اسْتطاعه فردٌ أو فردانِ، لكنْ من الناحية العملية؛ ففيه صعوبات كبيرة جدًّا، خاصَّةً في هذه الأحوال التي نعيشها .

النوع الثاني: هو فئات من أصحاب التوجهات اليسارية وغيرها الذين رأوا في العولمة استعمارًا رأسماليًّا ؛ فرفضوها من منطلقات يسارية إلحادية.

الفئة الثالثة: وَهُم بعض الذين طرحوا هذه القضية ، وحاولوا أن يعالجوا وضعها؛ فانتهوا إلى حلٍّ هم يسمونه وسطًا ؛ وأعني به الحلَّ الْمُلَفَّق بين"الحضارة الغربية والإسلام"!!

بمعنى: أن هؤلاء رأوا أَنَّه لا يمكن أن نقاوم العولمة بالقرآن والسنة، أو بكتب الفقهاء المتقدمين، وقال هؤلاء: لا يمكن أن نواجه حضارة المحطات الفضائية والإنترنت والاتصالات والإعلام والسرعة .. إلى آخره بتلك!!

إذًا؛ فما هو الحل عندهم؟

جاء في أُطْرُوحاتِهم أَنْ لَا نَتَخلى عن أصولنا، لكنْ أيضًا يمكن أن نواكب هذه المتغيرات لنجد لها مساحات معينة في المنهج والفكر الإسلامي وفي الفتاوى الإسلامية، في كلام الفقهاء، وأحيانًا في شذوذات الفقهاء، في رخصهم وهكذا..

عملوا نوعًا من الدمج والجمع بين هذينِ؛ ليتَوَصَّلوا إلى منهج عصراني يتواكب مع الحالة المعاصرة والعولمة التي نصطلي بنارها في هذه السنوات الأخيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت