فإذا جاء أحد منهم تائبا قبل القدرة عليه، فقد يكون العفو عنه في الحق العام أنفع من مؤاخذته به، لقوله تعالى: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم(33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم )) (34) [المائدة]
قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية في الآية الأخيرة:
"أما على قوله من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا فيه قولان للعلماء وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة...." [تفسير القرآن العظيم (3/102) ]
قال تعالى: (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) ). [الشورى: 39ـ43] .
كما قال تعالى: (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) ) [آل عمران: 133ـ134] .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمة في العفو والسماحة فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فقالت:"لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" [الترمذي (4/369) وقال: هذا حديث حسن صحيح"الصخب كالسخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام"] .
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله رجلًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) . [مسلم (4/2001) والترمذي (4/376) ] .
فقد يكون العفو عن التائبين في الحق العام سببا في عودة غيرهم من زملائهم، وفي ذلك نوع من المعالجة الحكيمة المؤدية إلى استتباب الأمن والتخفيف من التوترات وسفك الدماء. (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ) [فصلت (34) ]
أما الحقوق الخاصة، فمرجعها إلى القضاء، ليتخذ فيها الحكم الشرعي العادل، ما لم يعف صاحب الحق: (( ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) ) [البقرة (178) ]
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
حتى يميز الخبيث من الطيب
[الكاتب: سيف الدين الأنصاري]
بسم الله الرحمن الرحيم
من أهم ما يجب على الجماعة المسلمة اعتقاده هو أن صراعها مع الأعداء يخضع لنظام من السنن الإلهية التي لا تتبدل بتبدل الأشخاص والوجوه، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، وإنما هي ثابتة على امتداد حركة الإنسان في الحياة، قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح:23] ، وكلما كانت الجماعة المسلمة أكثر استحضارا لهذه السنن - وعيا وممارسة - كانت أقرب إلى إدراك الصواب في رؤيتها التصورية ومواقفها العملية.
وقد سبقت الإشارة إلى أن من أهم هذه السنن سنة المداولة، وقلنا حينها إن الله تعالى قد بث في هذه السنة الكثير من الحكم، وأن من بين أهم هذه الحِكم تمييز الصف الإسلامي، أي التفريق بين المؤمنين والمنافقين، قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران:141] .
قال القرطبي: (معناه وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض) [التفسير:4/218] .
وطبعا فإن الله تعالى عليم بحال كل واحد داخل الصف الإسلامي، يعلم المؤمن منهم ويعلم المنافق، والتمييز بينهم بالنسبة إلى علمه الذي يحيط بالغيب حاصل منذ القدم، ولكنه سبحانه يريد أن يكون علمه بما هم عليه من الإيمان أو النفاق من باب علم الشهادة لا علم الغيب فقط، فتظهر الحقائق في عالم المشاهدة وتكون واقعا في حياة الناس، وذلك لكي تتحقق حكم الله في خلقه، ومنها حكمته في الجماعة المسلمة، والتي من أهمها أن يحصل التمييز بين المؤمنين والمنافقين في عالم الشهادة وليس في عالم الغيب فقط، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179] ، فليس من مقتضى حكمته، ولا من فعل سنته أن يترك الصف الإسلامي (أنتم) مختلطا لا يعرف فيه المؤمن من المنافق، بحيث يتوارى فيه الأعداء تحت ستار بعض المظاهر السهلة من مظاهر الإسلام بينما هم في الحقيقة أعداء ينخرون في الجسم من الداخل، ولذلك اقتضت سنته أن يميز الخبيث (المنافق) من الطيب (المؤمن) ، لأن الجماعة المسلمة لا يمكن أن تؤدي دورها على الوجه المطلوب ولا أن تحقق أهدافها بالكيف المرغوب وهي لا تزال تعيش في أجواء الغبش التصوري الذي لا يُمَيز معه بين من ينتمي إلى هذا الإسلام وهو صادق ومن ينتسب إليه وهو في الحقيقة كاذب.
والتمييز يعني في معناه العام التفريق بين العناصر التي تكون متشابهة في بعض المظاهر ولكنها مختلفة في الحقيقة، فيقع الفرز بينها تبعا لما يتكشف من الحقائق التي تكون مستورة عندما تكون الأجواء راكدة والارتباط غير مكلف، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران:167] .
قد يندس إلى داخل الصف الإسلامي - ولأسباب ومقاصدَ متعددة - أناس غير صادقين في إقبالهم عليه ولا في ارتباطهم به، أي أنهم في الحقيقة كاذبون، إما دائما وإما مترددون، ولكنهم يتخذون من بعض المظاهر الإسلامية ستارا يخفون وراءه حقيقتهم، ويحققون به أغراضهم، فيتحركون داخل الصف الإسلامي حركة هي في الحقيقة عملية هدم من الداخل، فيكون وقْع ذلك وتأثيره على الجماعة المسلمة أشد من كيد العدو الظاهر.
وهذا بالضبط ما يقتضي كشف هذه العناصر، وإظهارها على حقيقتها أمام الجميع ليقع التمييز بين المؤمنين والمنافقين، في عملية فرز داخلي تستهدف التفريق بين العناصر الطيبة والعناصر الخبيثة التي تنتسب إلى الصف بينما الحقيقة خلاف ذلك، وإذا كان لابد من التعامل مع المنافقين على أنهم مسلمون في الظاهر - ما داموا لم يرتكبوا ما يخرجهم من الإسلام الحكمي - فعلى الأقل يجب أن يكونوا معروفين عند الجماعة المسلمة، يجب أن يكونوا معروفين كما كانوا معروفين عند جماعة الجيل الأول، لأن هذه هي السبيل إلى اتقاء شرهم، والدافع إلىاتخاذ الإجراءات الكفيلة بإبطال مفعول كيدهم.
لكن نظام السنن يأبى أن تتحقق النتائج بعيدا عن مقدماتها المناسبة، أي أنه لابد لتحقق هذا التمييز من السبب الذي يؤدي إليه، فيكون كالمقدمة بالنسبة له، ولهذا كانت المداولة، لأنها تحمل الابتلاء الذي يعد سببا في التمييز، قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران:141] .