فهرس الكتاب

الصفحة 547 من 719

أما الهدف الثاني: وهو جهاد الدفاع عن المسلمين وبلدانهم، فهذا الجهاد فرض عين يجب على الحكومات والشعوب الإسلامية التي يعتدي عليها الكفار القيام به، مهما كانت التضحيات في الأموال والأرواح، لأن في ترك العدو يحتل أرضهم، تمكينا له من السيطرة على المسلمين وإذلالهم وفقدهم العزة التي اختارها الله تعالى لهم، و مما يدل على وجوب ذلك، ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في غزوتي أحد والأحزاب، اللتين ابتلى الله فيهما المسلمين ابتلاء شديدا...

وإذا اضطر المسلمون لقلتهم وضعفهم، إلى مصالحة المعتدين مدة محددة أو مطلقة، حتى يعدوا العدة التي تمكنهم من طرد العدو عن بلادهم، فذلك أمر مشروع، بل إذا اضطروا إلى مصالحة عدوهم على مال يدفعونه له، ليرحل عن بلادهم، جاز ذلك عند الضرورة.

فقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعله مع الأعداء في غزوة الأحزاب، ولكنه استشار زعماء أهل الحل والعقد في المدينة، فرفضوا ذلك بعد أن تبينوا أنه إنما فعل ذلك رأفة بهم، وليس عن وحي نزل عليه بذلك، وغلب على ظنهم القدرة على حرب العدو ودفعه.

فإذا فرض أن الأعداء احتلوا أرض المسلمين لعجزهم عن دفعهم عنها، فعلى المسلمين أن يتخذوا كل وسيلة متاحة مشروعة لطردهم منها، ويكون ذلك بأمرين:

الأمر الأول: عاجل لا مهلة فيه إلا لترتيبه، وهو القيام بالحرب الفدائية، وهي ما تسمى بحرب العصابات، أو حرب المقاومة التي يقوم بها اليوم المجاهدون في فلسطين والعراق وغيرهما... وهذا من أعظم ما يرهب العدو ويقض مضجعه، لأنه لا يدري من أين يأتيه الموت ومتى يأتيه؟ ولأن أهل البلد يتعاونون على القيام بذلك، فمنهم من يحضر للمجاهد الطعام والشراب والدواء والكساء، ومنهم من يحضر له المواد التي يحتاج إليها للقيام بمهمته، ومنهم من يؤيه ويكنه إذا احتاج إلى ذلك....

الأمر الثاني: آجل يحتاج إلى تخطيط وإعداد لمدى أبعد، يترتب عليه طرد العدو من البلد، بالجهاد المسلح الواضح....وهذا لا يتم إلا بالتعاون التام بين فئات أهل البلد كلهم، حاكمين ومحكومين، رجالا ونساء شبابا وشيبا، أغنياء وفقراء، كل فيما يملكه ويجيده....وكل من تأخر عما يقدر عليه في هذا المجال، هو آثم عند الله.

قال تعال: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [الأنفال (60) ]

وقال تعالى: (( ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) ) [التوبة (38) ]

وعلى الشباب المسلم الذي يرغب في الجهاد في سبيل الله، أن يفعل ما يقدر عليه من أنواع الجهاد كالجهاد بالمال، ينفقه من ماله للمجاهدين في سبيل الله دفاعا عن أوطانهم التي اعتدى عليها الأعداء، ولأسر الشهداء من الأيتام والأرامل، والمرضى في المستشفيات، وبخاصة أهل الأرض المباركة"فلسطين"التي دنسها اليهود ودنسوا مساجدها الطاهرة، وبخاصة المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبلتنا الأولى.

وقتلوا أهلها رجالا ونساء، شبابا وشيبا، وأخرجوهم من ديارهم، وخربوا كل ما أتت عليه آلاتهم الحربية من منازل ومزارع ومصانع وغيرها، والذي عنده قدرة شرعية من شباب الإسلام الجهاد بنفسه، فعليه أن يفعل، لأن الجهاد هنا فرض عين، إذا توفرت القدرة الشرعية...

قال تعالى: (( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) ) [التوبة (75) ]

والذي يغلب على الظن أن القدرة الشرعية هنا قد لا تتوافر لكثير من الراغبين في مباشرة قتال العدو، لأن حدود الأرض المباركة مغلقة، بجيوش العدو وأسلحته الجوية والبرية والبحرية، وبالجيوش العربية التي لدولها حدود مع اليهود، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها...

خاتمة:

أذكر شبابنا المسلم، كما أذكر حكومات شعوبنا الإسلامية، أننا جميعا ركاب سفينة تتقاذفها أمواج محيطات الفتن، ويحيط بها الأعداء من كل جانب، لإغراقها وإهلاكنا جميعا، وأن واجبنا أن ننقذ سفينتنا من أمواج الفتن، ومخططات الأعداء، لتنجو سفينتنا فننجو بنجاتها، وإلا غرقنا بغرقها.

وقد حذرنا الله تعالى من الفتنة العامة التي لا تصيب الظالمين وحدهم، وإنما تصيب الظالم والراضي أو الساكت القادر على الإنكار القدرة الشرعية...

فقال تعالى: (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ) [الأنفال (25) ]

وأمرنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، أن نسرع بالأعمال التي ترضي ربنا سبحانه، ونسبق بها الفتن التي تتوالى على هذه الأمة في ظلمات الجهل والمعاصي، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [صحيح البخاري، برقم (118)

وحذرنا صلى الله عليه وسلم، من التقصير في حماية سفينة حياتنا من المفسدين الذين يودون إغراقها لإهلاكنا، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي قال.

(مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) [صحيح البخاري، برقم (2361) ]

وإن حماية سفينتنا من الغرق وحماية أنفسنا من الهلاك، لا يتمان إلا باعتصامنا بحبل الله، واجتماع كلمتنا على الحق، وتحقيق الأخوة الإسلامية التي تثمر المحبة والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب كل منا لأخيه ما يحب لنفسه من الخير....

فعلى علمائنا الأفاضل أن يجتمعوا، ويتدارسوا أسباب الفرقة والنزاع، وعوامل المنكر والفساد، والأحداث الجديدة التي أقلقت الأمة الإسلامية وأفقدتها توازنها، وهددت أمنها واستقرارها.

وأن يفتحوا صدورهم لشاب هذه الأمة، ويسمعوا منهم ما يدور بخواطرهم والأسباب التي دفعت بعضهم إلى ما قاموا به من التفجيرات في البلدان الإسلامية، وبخاصة هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين، ويحاوروهم محاورة الأب الحنون لأبنائه، مع الصبر عليهم والحكمة في محاورتهم، واللين في مخاطبتهم، وليس حوار الغلظة والقسوة والتأنيب.

فإن إظهار المحبة لهم والعطف عليهم، والحكمة في محاورتهم ولين الجانب لهم، كل ذلك جدير بقبولهم ما قد يظهر لهم من الحق الذي أخطأوه، والشبهات التي لبست عليهم.... إنهم أبناؤنا ونحن آباؤهم وكما نطلب منهم البر بنا، فحقهم علينا الشفقة عليهم وإشعارهم بالأبوة الحانية...

ثم عليكم يا شبابنا المسلم، ويا أبناءنا البررة أن تقتربوا من آبائكم العلماء وإخوانكم المثقفين الذين يحبونكم ويدعون الله أن يحفظكم لخدمة دينه وأمته، والذود عن أوطانكم التي يهددها الأعداء من كل مكان...

ثم إن على حكامنا في الشعوب الإسلامية، وبخاصة حكام هذا البلد العظيم، بلد الوحي والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، أن يضعوا خطة مرنة لكيفية التعامل مع هذا الشباب الذي حصلت منه التفجيرات....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت