وهم يتذرعون بأن هؤلاء الكفار الصليبيين يتركون المسلمين يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون، فليس في موالاتهم ضرر على الدين، وينسون، أو يتناسون أن في استعلاء الكفار بثقافتهم، وأخلاقهم، وسياساتهم، واقتصادهم، فساد عام عريض دائم يجتث الأجيال، ويوقعهم تحت تأثير استلاب الكفار للشخصية الإسلامية في أبناء المسلمين، وتحطيم الهوية الإسلامية، وتغيير جذري في معالم الإيمان، واستبدال الثقافة والقيم الغربية التائهة المنحلة بعقيدة الإسلام وأخلاقه، وأن هذا واقع لا محالة وضرره شامل مستمر وبالغ الخطورة على عموم الأمة.
لكنهم مع ذلك يستروحون إلى طلب الراحة، والرفاه، والتوسع في الأموال والتجارات، تحت ظل الكافر، على حساب عقيدتهم ودينهم.
ويتذرعون أحيانا بالخوف والخطر على الوطن، وقد حولوه إلى صنم، يحلون من أجله الحرام، ويحرمون الحلال، ويعقدون الولاء والبراء عليه، ويقدمون توفير دنياهم فيه، على صلاح دينهم.
وفي هذه الفتنة أنزل الله تعالى: {ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} . وإنما هم في هذه الفتنة: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} .
وهؤلاء بدل أن يجعلوا هذه الفتنة أشد من القتل، فيفروا منها ولو إلى الموت، ليرزقهم الله تعالى حياة الشهداء، بدل أن يفعلوا ذلك، ليسلكوا سبيل المؤمنين من قبلهم، فروا من مجرد الأذى وليس من الموت إلى الفتنة، فاركسوا فيها، واستعملهم الله تعالى في أشد مساخطه وهو تسخير أشد أعداءه الذين يبغضهم، وهم اليهود والنصارى، تسخيرهم لهؤلاء المفتونين، يؤيدون خطط الأمريكيين الصليبين في بلاد الإسلام، ويفتون الناس بأن هؤلاء الصليبين إنما هو مصلحون، فيضلون، ويضلون الخلق، فنعوذ بالله تعالى أن يستعملنا في مساخطه.
أما قولهم: إنهم متبعون للمصالح الشرعية الراجحة، أو أنهم يدرءون المفاسد والمضار، فهو من تلبيس الشيطان، فمفسدة تأييد استعلاء الكفار على بلاد المسلمين، من أعظم المفاسد على الدين، غير أن هؤلاء جعلوا أهواءهم هي المعيار الذي يرجحون به بين المفاسد والمصالح.
كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله:(المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور:
أحدها؛ ما سيأتي ذكره - إن شاء الله - أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، طلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} .
الثاني؛ ما تقدم معناه من أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع، كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة الإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين أحياءها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال، كان إحياؤها أولى، فإن عارض إحياؤها إماتة الدين، كان إحياء الدين أولى، وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد ، وغير ذلك، وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلا، كان إحياء النفوس الكثيرة أولى) [الموافقات 2/39] .
والعجب أن هؤلاء المفتونين، عكسوا ما أراده الله منهم، فقد أمرهم بالتزام شريعته، وتكفل لهم برزقهم وقدر آجالهم، فكان همهم أرزاقهم، وآجالهم، التي تكفل الله بها، فلا تزيد ولاتنقص، وأهملوا دينهم الذي أمرهم الله تعالى بحفظه، وظنوا أن رضاهم بعلو الكافر عليهم، وتحالفهم معه، سيكون سببا في انبساط الدنيا لهم، وحلول الأمن عليهم.
ونسوا أن الله تعالى يملي للكافر الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن الله تعالى مهلك هذه الدولة الكافرة الطاغية أمريكا، كما أهلك الذين من قبلهم، ولهذا حذر من اتخاذ الكافرين أولياء،
كما قال تعالى بعدما ذكر إهلاك الأمم في سورة العنكبوت: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} ، وقد فتنتهم هذه الدولة الكافرة الطاغية أمريكا، وهالهم تقلبها في الأرض، ونسوا قوله تعالى {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} .
ونسوا سنة الله تعالى في الطغاة، وأنها سنة لا تتبدل ولا تتغير: كما قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} .
اللهم إن هذه الدولة الكافرة أمريكا قد طغت، وتجبرت، وكفرت بك، وصدت عن سبيلك، وقاتلت أولياءك، وكذبت رسلك، اللهم وإنهم لا يعجزونك، اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم اهزمها، وأرنا فيها مثل أيام الذين خلوا من قبل، اللهم أرنا فيها سنتك في المستكبرين، اللهم أهلكها كما أهلكت عادا وثمود، واقصمها كما قصمت فرعون والنمرود، واجعلها نكالا، وعبرة في الآخرين، اللهم وانصر كل المجاهدين الذين يقاتلونها في سبيلك، في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، وكل بقاع الأرض، اللهم كن معهم لا عليهم، وانصرهم ولاتنصر عليهم، وانصرهم على من بغى عليهم، اللهم واربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وفرج كربهم، وفك أسراهم، وتقبل شهداءهم، وارفع قدرهم، وأعل درجتهم، وانزل عليهم ملائكتك، قاتل أعداءك بهم، واجعلهم من جنودك الموحدين، وأنصارك المخلصين، واجعلنا معهم إنك أنت العزيز الوهاب، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين... آمين.
شؤون داخلية
[الكاتب: أحمد مطر]
وطني ثوب مرقع
كل جزءٍ فيه مصنوع بمصنع
وعلى الثوب نقوش دموية
فرقت أشكالها الأهواء
لكن
وحدت ما بينها نفس الهوية:
عفة واسعة تشقى
وعهر يتمتع !
وطني: عشرون جزارًا
يسوقون إلى المسلخ
قطعان خرافٍ آدمية !
وإذا القطعان راحت تتضرع
لم تجد عينًا ترى
أو أذنا من خارج المسلخ .. تسمع
فطقوس الذبح شأن داخلي
والأصول الدولية
تمنع المس بأوضاع البلاد الداخلية
إنما تسمح أن تدخل أمريكا علينا
في شؤون السلم والحرب
وفي السلب وفي النهب
وفي البيت وفي الدرب
وفي الكتب
وفي النوم وفي الأكل وفي الشرب
وحتى في الثياب الداخلية !
فإذا ما ظلت التيجان تلمع
وإذا ظلت جياع الكوخ
تستجدي بأثداء عذاراها لتدفع
وكلاب القصر تبلع
وإذا لم يبق من كل أراضينا
سوى مترٍ مربع
يسع الكرسي والوالي
فإن الوضع في خيرٍ ..
وأمريكا سخية !
فرقتنا وحدة الصف
على طبلٍ ودف
وتوحدنا بتقبيل الأيادي الأجنبية
عرب نحن .. ولكن
أرضنا عادت بلا أرضٍ
وعدنا فوقها دون هوية
فبحق البيت
.. والبيت المقنع