المعاصرة حين تقول: أن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وأن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، وأن العلم لا علاقة له بالأخلاق، وأن الفن لا علاقة له بالأخلاق، وأن علاقة الجنسين لا علاقة له بالأخلاق... كل محاوله من هذا النوع هو اتجاه غير علمي لأنه يخالف أصل الفطرة فضلا عن إثارة المدمرة في الحياة الإنسانية" (4) ولقد انبهر الكثير من أبناء أمتنا المنهزمين نفسيا بهذا الفكر المشئوم. وساهم هؤلاء المنبهرين بنقل هذا الانبهار إلي العديد من أجيال الأمة. حتى أصابت مجتمعاتنا لوثة المادية التي هي هواء الغرب الذي يتنفسه كل لحظة. واكتوت أمتنا بنير هذا الفكر المشئوم على يد هؤلاء المنبهرين. وأصبحت مجتمعاتنا كمجتمعاتهم يكثر فيها التاجر المحتكر، والموظف المرتشي، والفقير الحاقد، والعامل المطفف الذي يأخذ حقه ولا يريد أن يعطي ما عليه. كثرت في مجتمعاتنا نماذج الغني البخيل، وصاحب النفوذ المستبد والمسئول الخائن، والخازن السارق، والوزير النفعي. ابتليت أمتنا بالزعيم الأناني الذي لا يخدم إلا نفسه، وحزبه، وشيعته. ابتلينا بالمٌشرع الظالم الذي يسن القوانين الظالمة الجائرة والتشريعات المضللة البعيدة عن شرع الله. ابتلينا بالمخترع أو المكتشف المسرف في عمله دون النظر بمردود عمله على خير الإنسانية. كذلك ابتلينا بالمنفذ القاسي منزوع الرحمة عند تنفيذ الأوامر والقوانين"ومن هذه النفسيات المادية تبعث المشكلات الكبرى في المجتمعات، وتصاب الإنسانية بويلاتها كما يقول الشيخ الزنداني (5) لقد احتك أجدادنا وأسلافنا المسلمون الأوائل بحضارات ومدنيات عديدة مثل الفارسية والرومانية والهندية والإغريقية احتكاكا قويا مباشرا. ومع ذلك احتفظوا بشخصياتهم الإسلامية دون انبهار أو انهزام. ظلوا ثابتين على عقائدهم وشعائرهم وأخلاقهم وشريعتهم. لم يسلب بريق هذه الحضارات ألبابهم، ولم يخطف عقوله، ولم يتخلوا عن هويتهم الإسلامية الأكثر تحضرا. لقد تعامل أسلافنا الأوائل مع هذه الحضارات بفكر الأٌسود. فالأسد لا يقع على جيفة مهما عصفت به الحاجة ونال منه الجوع. لقد عبوا من هذا الحضارات عبا. أخذوا منها ما ينفعهم ويلائم أوضاعهم."واستطاعوا- مثلا - أن ينتفعوا بتراث الإغريق العلمي بعد أن عربوه وهذبوه وأضافوا إليه. وأيد ذلك فقهاؤهم وأئمة دينهم بل ساهموا فيه. ولم يتوقفوا إلا فيما رأوه معارضا لعقيدتهم وفكرتهم.. المهم أن المسلمين كانوا غاية في المرونة أمام الجانب العلمي بتعبير عصرنا وكذلك الجانب الإداري، والتنظيمي والعمراني والصناعي. لم يجدوا أي حرج ديني في اقتباس ذلك من غيرهم والزيادة والتفوق فيه ما استطاعوا" (6) دون انبهار أو انكسار أو ذوبان للشخصية أو فقدان للهوية. إن محاربة الانبهار ببريق حضارة الغرب واجب على كل غيور على مستقبل هذه الأمة. كما وأن تبصير كتيبة المنهزمين و المنبهرين من أبناء أمتنا بعظمة حضارتنا الإسلامية وتاريخنا الإسلامي وردهم إليها واجب على كل من يبغى لهذه الأمة أن تعود لتسود. كما وأن معالجة الآثار السلبية التي استشرت في مجتمعاتنا من جراء الانبهار بحضارة الغرب هي التحدي الكبير الذي يقع على عاتق الدعاة والمصلحين. ويبقى بث الأمل في نفوس الأمة، وتقوية ثقتها بنفسها، وبحضارتها، وبثقافتها وبهويتها الإسلامية هو الخطوة الكبيرة صوب تحقيق الإصلاح الحضاري والفكري الذي نأمله لأمتنا الإسلامية والذي اسأل الله أن يكون قريبا.
1-نقلا من مقال التربية الأساس الأول للأستاذ أحمد البراء الأميري- مجلة المعرفة.
2-الشيخ عبد المجيد الزنداني توحيد الخالق.
3-الأستاذ محمد قطب حول التفسير الإسلامي للتاريخ.
4-المرجع السابق.
5-الشيخ عبد المجيد الزنداني توحيد الخالق.
6-د يوسف القرضاوي - الخصائص العامة للإسلام.
25 صفر / 1428هـ
15 مارس /2007م
تحالف العلمانيين والمسيحيين لتغيير هوية مصر ومرجعيتها
السيد أبو داود
1 ربيع الأول1428هـ الموافق له 19- 3- 2007م
بمناسبة التعديلات الدستورية الجديدة التي ينهمك فيها المصريون هذه الأيام، ورغم أهمية العديد من المواد الجاري تعديلها؛ إلا أن المفكرين والسياسيين ووسائل الإعلام المختلفة تركت الحديث عن المواد الجاري تعديلها - وهي تزيد عن 30 مادة - واهتم الجميع بمطالبة الأقباط والعلمانيين بضرورة إلغاء المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أن"الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
ويعود الخلاف حول هذه المادة إلى مايو 1980م عندما بادر الرئيس الراحل أنور السادات بإجراء تعديل في نصوص دستور 1971، والذي بمقتضاه حوَّل الرئيس السادات المادة الثانية من"الإسلام مصدر رئيسي للتشريع"إلى"مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
وقد أثارت دعوة الرئيس مبارك لتعديل كثير من المواد، وعدم تعديل هذه المادة؛ سجالًا جديدًا داخل الأوساط الدينية والثقافية المصرية، بين من يرى أن عدم تعديل هذه المادة لا يمس جوهر تعزيز مبدأ المواطنة، وتحقيق المساواة، وبين من يرى ذلك يتعارض مع هذا المبدأ.
وقاد الحملة لإلغاء المادة الثانية من الدستور فريقان: الفريق الأول هم المسيحيون، والفريق الثاني هم العلمانيون، وخاصة الفريق الذي ينتمي إلى الفكر الشيوعي واليساري.
المسيحيون ومعركتهم ضد الشريعة:
الطرف المسيحي في معركته ضد الشريعة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول هم المعتدلون، وهم يطالبون بتغيير المادة الثانية من الدستور لتصبح على هذا الشكل: (اللغة العربية هي لغة الدولة، والإسلام دين غالبية المواطنين، والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع) ، ويطالبون بأن يتم توضيح الأمر بشكل تفصيلي، وأن تكون المادة بما لا يتناقض مع التزام مصر بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان الدولية، أو يخل بحقوق المواطنة.
والقسم الثاني هم المتطرفون بقيادة أقباط المهجر الذين يدعون صراحة إلي إقامة دولة قبطية بمصر، ويطالبون بالتدخل الأجنبي لحماية الأقباط من اضطهاد مزعوم لا يوجد إلا في مخيلتهم، وهم يزعمون أن الإبقاء على المادة الثانية يعني إهدارًا لحقوق الأقباط، ويؤكدون أن المادة الثانية من الدستور تتنافى مع المواطنة؛ لأنه ينشأ فريقان الأول: فريق يتبع هذا الدين، وبالتالي هو صاحب الحقوق والامتيازات، وفريق آخر من أتباع الدين الآخر ينتظر المنح والهبات، والنتيجة مجموعة من القوانين والأعراف المذلَّة والمنقوصة لهؤلاء الذين لا يدينون بدين الدولة.
ويشيعون أن القارئ للمادة الثانية سيفهم أن هناك أديانًا أخرى غير الإسلام، ويدرك أيضًا أن الدولة لا تعترف بأديان أخرى؛ لأنها لا تعتبرها رسمية، وبذلك لا تعترف الدولة بجزء من مواطنيها ليس بسبب تقصير في المواطنة، ولكن بسبب عقيدتهم، إذن القانون يفرق ويميز بين أبناء البلد الواحد وليس حسب ولائهم للوطن؛ لأن إعلان الدولة بأن الدين الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع يشكل تمييزًا وانتهاكًا للمسيحيين"."