والقسم الثالث هم قادة الكنيسة وعلى رأسهم البابا شنودة الذي يبني موقفه على أن:"من يقول بأن هناك اضطهادًا للأقباط في مصر لسنا مسئولين عنه، وهو تصرف فردي، ولا يعكس الحقيقة، وأن شخصًا قال له: لا بد من الجهاد لتغيير المادة الثانية من الدستور المصري فكان رد شنوده: أن هذا الشخص فعل هذا ليقال عنه أنه بطل يحارب من أجل تغيير هذه المادة، وبينما نحن كأقباط في مصر نحصل علي كل شيء بعلاقتنا الطيبة مع الدولة، ونتفاهم بمستوى طيب مع أولي الأمر، ونحن نحترم أولي الأمر".
لكن المتتبع للأمر يرى أن ما يحدث الآن من تطرف مسيحي هو نتاج الغرس الثقافي والفكري والديني المتطرف الذي غرسته الكنيسة خلال أكثر من ثلاثين عامًا في الشباب المسيحي، البابا شنوده يعجبه ذلك لكنه يبدي الاعتدال لظروف منصبه وحساسيته.
أسباب التطرف المسيحي:
نفر غير قليل من فقهاء القانون المصريين يرون أن المسيحيين هم الذين تغيروا، وأن الكنيسة هي التي تحولت، بما يعني أن المسيحيين الذين عاشوا متصالحين مع الإسلام في الثلاثينيات والأربعينيات لم يعد كثير منهم كذلك حاليًا، وهذا التحول حدث في مشاعر جانب كبير من المسيحيين تجاه ما عرف بالمرجعية الإسلامية الجامعة للأمة.
فالمسيحيون لم تكن لديهم مشكلة من قبل بخصوص الشريعة، وكانوا كثيرًا ما يتحدثون عن أنه لا مشاكل لديهم في هذا الخصوص، بل كان بعضهم يرى فيها ميزة وضمانة، لكن الذي جدّ هو ما جرى على الأقباط أنفسهم؛ حيث التأثير المتصاعد للمهجر وأقباط المهجر في الوعي القبطي وفي موقف الكنيسة نفسها، حيث صار أقباط المهجر أصحاب السبق في إثارة مثل هذه الاعتراضات وتزكيتها لدى القبط في مصر، وتعبئتهم وراءها، كما امتد تأثيرهم في الوعي القبطي إلى داخل الكنيسة نفسها التي صار جزء منها مرتبطًا بالمهجر، ومتأثرًا به في مقولاته وأفكاره، وانعكس ذلك عليها كتكوين مؤسسي وعلى سياساتها القائمة الآن؛ فصارت تجنح للغلو معتمدة على ضعف الدولة، وتسعى للحصول منها على تنازلات تأخذ بها ما يطاق وما لا يطاق.
ويتحدث البعض عن أن التيار الإسلامي الذي لجأت بعض فصائله إلى العنف قد أخاف الأقباط كثيرًا، وجعلهم يتوجسون خيفة من المادة الثانية من الدستور، لكننا نؤكد أن هذا العنف كما أخاف الأقباط فإنه أخاف المسلمين كثيرًا أيضًا، بل إن ضحاياه كانوا إما من المسلمين، أو السياح الأجانب، ولم يكن من بينهم مسيحيون إلا في القليل النادر، وعلى أية حال فإن هذا التيار قد ضعف الآن كثيرًا، وكاد أن يختفي، ولم يَعُد له وجود الآن تقريبًا في مصر، كما أن التيار الإسلامي السلمي كان هو الذي أشاع على نطاق واسع فكرة الشريعة وتطبيقها، ولم تكن هذه الفكرة من الأطروحات المقصورة على تيار العنف والغضب الإسلامي.
العلمانيون والحساسية من الشريعة:
لفت انتباهي أن العلمانيين المتحمسين لإلغاء المادة الثانية من الدستور غالبيتهم من فلول الشيوعية واليسار، وهؤلاء لهم"تار بايت"عند الإسلاميين ويريدون تصفيته، فهؤلاء بعد انهيار الشيوعية ودولتها، وتهاوي فكرتها، وبعد سقوط دعاوى القومية العربية؛ أحسوا أن التيار الإسلامي قد هزمهم بـ"الضربة القاضية"، وما أن جاءت اللحظة المواتية وهي مناسبة التعديلات الدستورية حتى خرجوا من جحورهم، وسنوا أسلحتهم للمعركة المنتظرة مع الإسلاميين.
والمشكلة بالنسبة للتيار العلماني مشكلة طويلة بدأت منذ أن جاء الاستعمار الغربي إلى بلادنا، وحرصه على إحلال هوية أخرى علمانية محل الهوية الإسلامية التي طالما أخرجت أجيالًا تقاومه، وتفسد مشروعه، ولم يرحل المستعمر إلا بعد أن وضع البذرة العلمانية في مجتمعنا المسلم، ووفر لها الأجواء للنمو، ومكن حامليها من مقدرات الأمور في بلادنا، وخصهم بحمايته.
والتيار العلماني يفتقد الوجهة السليمة في النظر إلى تاريخ المجتمع المصري وتطوره؛ فهو يبدأ من مسلمة وافدة من الخارج تقول: إن الدين لا صلة له بالسياسة، ثم يحاكم عليها المجتمع وتاريخه، ونحن لا نسلم له بهذه المسلمة، بل ونراها دعوى غربية لا تصمد في مجتمعنا المصري بل ولم تكن تطرح علي هذا النحو حتى لدى آباء العلمانية الأوائل في مصر الذين وضعوا دستور عام 1923م، وضمنوه المادة الثانية.
ومشكلة العلمانيين في مرجعيتهم الغريبة عن ثوابت وثقافة وعادات وتاريخ مجتمعاتنا، وللأسف فإن العلمانيين لسيطرتهم على منابر الثقافة والإعلام والتعليم لا يرون في مصر الحديثة إلا حركة علمانية تبدأ من قاسم أمين فسلامة موسى فأحمد لطفي السيد فطه حسين... الخ، ويعجز أن يرى أن في هذه الحقبة نفسها كان هناك قادة ثقافيون وفكريون أمثال يوسف الدجوي، وفريد وجدي، وطنطاوي جوهري، والمراغي، وشلتوت.. الخ.
ومن مشكلات العلمانيين المصريين أنهم قاموا بإسقاط الخبرة الأوروبية علي الخبرة المصرية والعربية دون الأخذ في الاعتبار الفوارق الكبرى بين الحالتين، لاسيما وأن الإسلام باتفاق علمائه في العصور المختلفة لا يعترف بوجود سلطة تمثله أو تحتكر لنفسها تفسير المقدس تفسيرًا أحاديًا كما كان الحال في تاريخ أوروبا في عصورها المظلمة، حين كانت الكنيسة تمارس الحكم باسم الله وليس باسم الناس أنفسهم.
والعلمانيون في هذا الصدد ينطلقون من أن الإسلام يحول دون التطور والنمو والتقدم، وأنه سبب رئيسي للتخلف والتراجع، وأنه لا بديل سوي التمسك بالحداثة والتحديث وفقًا للتصور الغربي والأوروبي، وهم بذلك يضيعون حق الأمة في المقاومة والممانعة، وفي اختيار طريق تنمية ذاتي ينبع من ذاتيتها وخصوصيتها وإمكاناتها.
والذي يصيب المرء بالحيرة هو كم الغضب والغيظ العلماني من رفض الغالبية العظمى من المصريين لإلغاء المادة الثانية من الدستور، ووقوفهم بكل قوة ضد التطرف العلماني المسيحي في هذا الخصوص.
المعركة إذًا معركة هوية ومرجعية:
وهكذا فإن الأطراف المشتبكة مع بعضها بشأن قضية المادة الثانية من الدستور قد أكدت بشكل واضح وجلي أن المعركة هي في المرجعية العليا للنظام السياسي، والنظام التشريعي، حيث باتت قضية المواطنة أو المادة الثانية في الدستور تستخدم بوصفها اختزالًا لكل القضايا الشائكة بين النظرة العلمانية والنظرة الإسلامية، فبالنسبة للنخب العلمانية فهذه المعركة هي معركة أساسية وفاصلة لأنها تدور حول المرجعية العليا للنظام السياسي والتشريعي، وتحاول النخب العلمانية تأسيس مبدأ المواطنة كقيمة عليا تمثل مرجعية سابقة لمرجعية الشريعة الإسلامية، حتى يمكن لهذه المرجعية وقف مرجعية الشريعة الإسلامية، وكأن مرجعية المواطنة تعني عدم جواز تطبيق الشريعة الإسلامية إذا تعارضت مع مبدأ المواطنة، فإذا كانت المواطنة هي عنوان للرؤية العلمانية الليبرالية عندئذ لا يجوز تطبيق الشريعة الإسلامية في أي موضوع، أي أن معركة النخب العلمانية في الواقع هي معركة تغيير هوية الجماعة المصرية، وتأسيس النظام السياسي والتشريعي على القواعد العلمانية الغربية.