معركة المواطنة أو المادة الثانية من الدستور يراها العلمانيون والأقباط معركة مصيرية من أجل تأسيس مرجعية علمانية جديدة على أنقاض المرجعة الإسلامية، وهم يرونها أيضًا معركة مصيرية حول هوية الأمة، وهوية الجماعة المصرية، وهنا تبرز المشكلة الأساسية حيث وضعت المواطنة بوصفها المرجعية التي تحمي الأقباط من الشريعة الإسلامية، ووضعت بوصفها إطار للتعامل العادل بين المواطنين، وكأن الشريعة لا توفر هذا الإطار، أو كأنها تمثل نظامًا تمييزيًا بين المواطنين.
لكل الاعتبارات السابقة فإن العقلاء يدعون للإبقاء على المادة الثانية من الدستور كما هي دون تغيير أو تعديل على اعتبار أن النظام السياسي لا يستقر دون وجود إطار مرجعي (ديني) ، ولا يستقر نظام دون أن يكون له نظام مقدس يضمن له قدرًا من الاستمرار، خصوصًا أن التاريخ يشهد شهادة عدل على مدى الحماية التي وفرتها الشريعة لأهل الكتاب، والتي لولاها ما أستمر وجود النصارى بمصر بعد فتحها من زهاء خمسة عشر قرنًا حتى اليوم، كما أن الواقع يبين أن الأقباط ظلوا ولا زالوا متمتعين بخصوصياتهم الدينية وحريتهم العقيدية بشكل لا تتمتع به أي أقلية أو جالية إسلامية في أي بلد أوروبي.
وهؤلاء العقلاء يؤكدون أيضًا أن وظيفة هذه المادة تختلف عن الوظيفة الدينية الكهنوتية في الخبرة الأوروبية إبّان سيطرة الكنيسة الكاثوليكية، فإذا كانت الوظيفتان تتشابهان في اتخاذ الدين إطارًا عامًا للتنظيم السياسي فإن الدولة البابوية تقوم على مؤسسة دينية ذات طابع مغلق، ولا تتقيد بقانون، ولا يجوز مخالفتها، حتى أصبحت أداة في يد طبقة من الحكام مارست الاستبداد، وأعاقت تطور المجتمع الأوروبي في وقت من الأوقات، أما الدولة في الخبرة الإسلامية فلها إطار عقيدي يحكم ممارستها ويتمثل في مقاصد الشريعة، فيما تترك المؤسسات لظروف المجتمع الزمانية والمكانية.
http://www.islammemo.cc:المصدر
هوية الأمة الإسلامية
محمد محمد بدري
لكل أمة من الأمم (ثوابت) تمثل القاعدة الأساسية لبناء الأمة.
وفي طليعة هذه الثوابت تأتي (الهوية) باعتبارها المحور الذي تتمركز حوله بقية الثوابت، والذي يستقطب حوله أفراد الأمة.
ولا تستحق أمة من الأمم وصف (الأمة) حتى تكون لها هويتها المستقلة والمتميزة عن غيرها من الأمم.
وإذن فالأمة بنيان يتجمع فيه الأفراد حول (هوية) ثابتة، تكون هي الصبغة التي تصبغ الأمة، وتحدد سلوك أفرادها، وتكيف ردود أفعالهم تجاه الأحداث، ولا شك أنه كلما شعر أفراد الأمة بهويتهم، كلما تعمق انتماؤهم إلى أمتهم، وتأكد الولاء بينهم، وتيسر تعاونهم في سبيل حمل رسالة الأمة والدفاع عنها أمام هجمات الأمم الأخرى.
كما أنه من البديهي أيضًا، أن الأمة إذا فقدت (هويتها) ، فقدت معها استقلالها وتميزها، وفقدت بالتالي كل شيء لأنها تصبح بلا محتوى فكري أو رصيد حضاري، فتتفكك أواصر الولاء بين الأفراد، وتنهار شبكة العلاقات الاجتماعية في الأمة، وتموت الأمة، بل وتنبعث منها روائح الموت التي تجذب برابرة الأمم كما تجذب جثة الثور الميت صغار الوحوش لتنهش لحمه وتقطع أوصاله، مع أنها كانت في حياته تمتلئ رعبًا من منظره! ! وهذا ما يحدث للأمة في ظل فقدان الهوية..
حيث السقوط الحضاري.
وتداعي الأمم.
فإذا أراد أحد إحياء هذه الأمة (الميتة) ، فإنه لا سبيل أمامه إلا أن يكشف عن هوية هذه الأمة، ويجلي أبعاد خصوصيتها بين الأمم، ليساعد ذلك في الدفع النفسي والشعوري إلى إحياء مجد الأمة التليد، والمساهمة الفعالة في السبق الحضاري من جديد.
هوية الأمة الإسلامية:
ليس تحديد (الهوية) ترفًا فكريًا، أو جدلًا فلسفيًا بل هو أمر جاد يتعلق - بل يقرر - طبيعة الصراع المصيري للأمة مع أعدائها (إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يحدد موقفه من غيره، قبل أن يحدد موقفه من نفسه: من هو؟ ومن يكون؟ وماذا يريد؟ وبدون هذا الحسم(للهوية) الذاتية، لا يمكن تحديد أي موقف فعال من أي قضية من قضايا المصير والتقدم والحياة الكريمة) [1] ولذلك لا بد أن نسأل أنفسنا: من نحن؟ وما هي هويتنا بالتحديد؟..
فإذا حددنا هويتنا، انتقلنا على ضوء ذلك إلى تحديد ماذا نريد؟..
ومن ثم كيف السبيل؟ وإذن فتحديد الهوية يعرفنا بأهدافنا التي نريدها، والأسلوب الذي نتوصل به إلى هذه الأهداف..
فما هي هويتنا؟ لا شك أن هويتنا الأصيلة هي الإسلام، وأن (الإسلام(كانتماء) هو القاسم المشترك الوحيد لأمة متكاملة كبرى، ولا شيء غيره...
وإذا ما نحينا الإسلام جانبًا، فمن المستحيل أن نجد قاسمًا مشتركًا آخر نتفق عليه وتلتقي عنده الأمة الإسلامية، فلا الأرض ولا اللغة ولا التاريخ يمكن أن تكون القاسم المشترك لأمتنا، وذلك لأن الأرض واللغة والتاريخ تعتبر امتدادًا للإسلام) [2] الذي هو الهوية الراسخة في نفوس أفراد الأمة، والتي تهدي رؤيتهم إلى مختلف القضايا، وتعطيهم الوعي الصحيح والرؤية الواضحة والزاد الحقيقي في مواجهة أعداء الأمة الإسلامية...
وهذه هي عبرة التاريخ، ودرس الواقع في الأمة الإسلامية؟ ! فأمّا إنها عبرة التاريخ:(فإن العالم الإسلامي كان أمة واحدة تظلله راية لا إله إلا الله محمد رسول الله..
وكان المسلم يخرج من طنجة حتى ينتهي به المقام في بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية، وإنما يحمل شعارًا إسلاميًا هو كلمة التوحيد، فكلما حل أرضًا وجد فيها له أخوة في الإيمان، وإن كانت الألسنة مختلفة والألوان متباينة لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات الجاهلية) [3] ..
ويحكي لنا التاريخ كيف سافر ابن بطوطة من (شاطئ المحيط الأطلسي إلى شاطئ المحيط الهادئ، ولم يعتبر في قطر مر به أجنبيًا، بل واتته الفرصة حيثما حل لأن يصبح قاضيًا أو وزيرًا أو سفيرًا، ولم يراقب في حركاته وسكناته، ولم يسأله أحد عن هويته أو جنسيته أو مهنته أو وطنه) [4] فقد كان أفراد الأمة في تحركهم بين بلد وآخر من بلاد الإسلام لا يحتاجون إلى تأشيرات دخول أو خروج، لأن الإسلام بلور (هويتهم) الحقيقية، ومنحهم (الجنسية) الإيمانية، وزودهم بروح الأخوة والمودة.
لقد كان الفرد من عامة الأمة لا يرى في غير الإسلام سببًا للتجمع، بل يرى أنه وحده أساس الانتماء، وأنه وحده رابطة الولاء.
ولذلك لم تكن له قابلية للشعور بالغضاضة في أن يعيش على أرضه، بل ويحكمه (مسلم) من بلد آخر..
فصفة الإسلام تجب ما عداها، ورابطة الدين تغني عما سواها.
ولذلك رأينا في مصر مثلًا أنه (كانت نظرة المصريين دومًا إلى المماليك - وهم ليسوا أولي جذور مصرية - نظرة المسلمين إلى المسلمين، الذين قد تكون لهم كحكام مظالم وشرور، ولكن هذه النظرة ما تعدت ذلك إلى اعتبارهم وافدين على الوطن) [5] .
ومن ناحية أخرى كانت نظرة الفرد من عامة الأمة إلى العالم من حوله، نظرة إسلامية محددة، يعتبر الفرد فيها أن الأرض التي يسيطر عليها النظام الإسلامي، وتحكمها الشريعة الإسلامية هي (دار الإسلام) ..
وأن الأرض التي لا يسيطر عليها الإسلام ولا تحكمها الشريعة الإسلامية هي (دار الحرب) ...
وبقي الدين عنصرًا بارزًا في وعي أفراد الأمة، وبقي الإسلام هو المُشَكّل لهوية الأمة الإسلامية..
فهو الذي يقوم عليه التصور العقدي العام في الأمة، وإن شابه بهوت في بعض المفاهيم..
وهو الذي ينشط حركة الفرد في محيطه الفردي والجماعي وإن اعترى ذلك فتور في الفعالية..