بل إن التفعيل الجدي لمبدأ الحذر يجعلنا نقابل كل التعليلات والتبريرات التي يحاول بها المنافقون التغطية على مواقفهم بتقديم الشك على الاطمئنان، وطرح العلامات الكبيرة للاستفهام، مهما كانت أشكال التعلل والتبرير، فالمؤمن لا تغره طلاوة الدهان، ولا ينخدع بمعسول الكلام، قال تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة:94] .
هكذا بصراحة لن نصدقكم، ولن نثق بأقوالكم، قد عرّفنا الله بعلاماتكم، وأنبأنا بحقيقة تعللاتكم.
وإذا كنا مطالبين بإعمال حسن الظن مع المؤمنين، فإن من السذاجة المرفوضة والورع الكهنوتي أن نجعل المنافقين كالمؤمنين.
2)عدم الميل إلى آرائهم:
غالبا ما تكون أراء المنافقين مطبوخة في مصنع المصالح الذاتية، فهَمّ القوم محصور في أشخاصهم، لا يشيرون إلاّ بما يتناسب مع أعراف السلامة، خصوصا فيما يتعلق بقضية الصراع ومتطلباته. قال تعالى: {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ} [التوبة:81] ، كما أن المنافقين ليسوا من الذين يؤمن جانبهم، فقد يشيرون بما يرجع بالضرر على المؤمنين في محاولة إلى الإيقاع بهم.
وتكمن خطورة هذه الآراء في كونها تطرح بطريقة منمقة ومزوقة تجعلها آراءً وردية جدا، وأفكارا جملية جدا جدا، لأنها - في الحقيقة - غالبا ما تكون مريحة جدا جدا جدا.
لكن المؤمن لا يجعل مقياسه الأول في الحكم على الأمور وتقدير المسائل هو الكلمات المزوقة والمصطلحات المنمقة، بل يبحث عن الحقيقة الكامنة وراء الألفاظ، والمعاني المستترة خلف المصطلحات، ويهمه أولًا معرفة الحق والاهتداء به ولو كلفه المتاعب.
ولذلك يجعل الأصل في التعامل مع المنافقين هو الحذر من الميل إلى آرائهم، قال تعالى: {وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأحزاب:48] .
3)التعبئة العامة ضدهم:
لكي نبطل مفعول الدور الذي تتحرك العناصر المنافقة في اتجاهه لابد من تفعيل دور الأمة، لأن الآخر يريد أن يجعل من أجوائها المفتوحة فرصة لدس التضليل وصناعة الأحابيل، وهذا ما يفرض ضرورة تنوير الرأي العام الإسلامي بالوعي الذي يمكنه من إدارك الخطورة الخاصة التي يشكلها المنافقون على الأمة، في عملية غرس وتعميق للفواصل الفكرية التي تمنع دون تداخل العناوين، وتساعد على اكتشاف أصحاب المنطقة الرمادية.
بل يجب أن تستمر هذه التوعية لتوجد الحساسية المفرطة اتجاه هذه"الفيروسات"فيما يشبه حالة من العرف العام الذي يحاصر العناصر المريضة ويحكِم الطوق حولها، فيدفعها إما إلى التوبة وإما إلى الاختناق.
ورغم أن الإسلام يسعى من خلال المنهجية الخاصة في الصراع مع المنافقين إلى احتوائهم باعتبارهم ظاهرة لا يمكن أن يسلم منها المجتمع الإسلامي، إلاّ أنه في المقابل يحذر بقوة من حالة الاسترخاء التي قد تولدها أجواء التعايش، مما يعني ضرورة الإبقاء على مساحة واسعة على مستوى الفواصل النفسية، فيكون التعايش من موقع التمايز، في خطة ذكية تتجه إلى تفريغ الأوراق التي بيد المنافقين من قدرتها على التأثير، وتنشئ عندهم حالة من البطالة قد تدعو البعض إلى مراجعة الذات.
4)الحذر من تعاونهم مع العدو:
إن المنافقين هم الأداة الأساسية لاختراق الصف الإسلامي، ويستوي في ذلك من يدخل لهذا الغرض ابتداء (غالبا من الصنف الأول) ، ومن يجنده العدو لهذا الغرض بعد أن يكتشف أنه من العناصر الذين {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض} ، والذين يتم التعرف عليهم من خلال المواقف المتأرجحة {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء} ، لأنها توحي للخبراء بوجود حالة من الاهتزاز النفسي يَعرفون كيف يروّضُون حاصبها ليصبح من عناصر العمل الاستخباراتي.
وبعيدا عن السير في خط الأساليب العاطفية التي تميع مسألة التدين (الإلتزام) وتجعلها مختزلة في بعض المظاهر الشكلية يمكن أن نقول إن الحركة الإسلامية لازالت تعاني إلى الآن من الأثر السام للتعاون القائم بين المنافقين والكافرين، قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة:52] .
ورغم أننا لا نستطيع القضاء على النفاق كظاهرة موجودة كان ولازال يمثلها نوع من البشر على امتداد التاريخ، مما يعني أننا لا نستطيع القضاء على الوجود الفعلي للمنافقين بشكل كامل، إلاّ أنه من الممكن جدا أن نَسْلم من المؤامرات والأحابيل التي ينصبها المنافقون للمؤمنين، عن طريق تحصين الساحة الإسلامية العامة والمفتوحة بالوعي الذي يساعد على الاكتشاف المبكر لتلك العناصر الدخيلة، وبالتوجيه التربوي الذي يوجد حالة من الحساسية اتجاهها، وبالوعي الحركي الذي يستطيع صاحبه أن يفرق بين المواضيع ذات الطابع العام والتي يمكن تناولها أمام الجميع، والمواضيع ذات الصبغة الخاصة التي تحتاج إلى حد لا بأس به من التحفظ والاحتياط. أضف إلى هذا كله ضرورة أن تأخذ الجماعات العاملة بالصيغ التنظيمة الكفيلة بغربلة الطفيليات والحيلولة دون تسربها إلى المواقع الحساسة.
لكن تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحذر ليست هي الموقف النهائي اتجاه المنافقين، بل هناك ما هو أكبر من ذلك وهو الجهاد، جهاد المنافقين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73] ، مما يوحي بالابتعاد عما تعارف عليه الناس من أساليب المجاملة الكاذبة التي تتغافل عن كل السلبيات والأخطار المهددة لإيمان الفرد ومصلحة الجماعة، فللحلم غاية، وللسماحة والتغاضي أجل، ولكل مرحلة من مراحل العمل ما يناسبها، إضافة إلى أن الاستهداف المباشر لبعض العناصر المنافقة قد يكون أكثر إيجابية وأبلغ في تحقيق المقصود.
على أن هذا الجهاد لا يصل - حسب رأي جمهور العلماء - إلى حد استعمال السيف [1] ، بل يكون ببيان علاماتهم، والتحذير من خطورتهم، والكشف العلني لحقيقتهم ليُعرفوا على رؤوس الأشهاد، فيكون الجميع واعيا وعيا كاملا بقوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُم} .
[عن مجلة الأنصار]
1)هذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنه وهو رأي أكثر العلماء، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين رغم علمه بهم عينا، ويبدو لي - والله أعلم - أن المنافقين الذين قال بعض العلماء بجواز استعمال السيف معهم هم المنافقون الذين تبثت عليهم أعمال مكفرة ثبوتا شرعيا وارتفعت في حقهم الموانع، بحيث صاروا داخلين تحت أحكام الردة.
حقيقة الارتباط بين العرب والعروبة والإسلام
بحث شرعي مؤصل
[الكاتب: محمد المليفي]
توطئة يعربية..!
ازدادت في الآونة الأخيرة الحديث والكلام عن القومية العربية وأنها هي المحور الذي يجب أن يلتف الجميع حوله.. وهم في هذا النداء القومي قد أهملوا رأس الأمر كله والحصن الحقيقي لكل مجتمع وفرد.. ذلك الحصن المتمثل في الالتفاف الوثيق حول خاتمة الأديان والمهيمن عليها جميعا.. (الإسلام) في بحثنا السريع والشرعي هذا سنسلط الضوء على العلاقة بين العروبة والإسلام.. وسنرى كيف أن الإسلام جاء ليرقى بمفهوم العروبة ويصححه.