فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 719

أمة الإسلام: قد كانت تلك بعض معالم فقدان الهوية عند فئة من هذه الأمة. وإننا إذ نذكر هذه المعالم لتلك الفئة لنعلم علم اليقين أن ذلك كائن وحاصل في هذه الأمة لا محالة وذلك قبل ظهور هذه المعالم، فقد أخبرنا بذلك رسول الله أتدرون كيف هذا؟

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن ) )وفي رواية للبخاري (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك ) ).

هذا الحديث أيها المؤمنون ينبئنا عن فقد هذه الفئة لهويتها الإسلامية. ولقد حدث كما نرى جميعًا ما أخبر به المصطفى وظهر واضحًا جليًا وجود أمتين في أمة، ومجتمعين مختلفين في مجتمع واحد، أحدهما متمسك بشريعة الله وسنة المصطفى ، والآخر تخلى عن هويته وبحث عن غيرها.

ولكن … ليس يصح أن نقول: إن هذا أمر قد قدره الله على هذه الأمة وكتبه عليها ثم نستسلم ونخضع للواقع، كلا .. بل الواجب علينا أن نسعى لإصلاح حالنا والنصح لإخواننا الذين ضلوا الطريق. ليس صحيحًا أن يهتم المسلم بإصلاح نفسه فقط دون إصلاح من حوله من أفراد أمته بدءً بأهل بيته ثم جيرانه وأهل حيه وانتهاءً بإخوانه المسلمين في أقاصي هذه المعمورة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا سالكًا في ذلك طريق لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286] .

إننا جميعًا يا أفراد هذه الأمة نتحمل المسئولية أمام الله جل وعلا مسئولية الإصلاح، وإلا فإن مغبة هذا البعد عن المنهج الرباني الرشيد ستقع علينا جميعًا يقول جل وعلا: وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] . فأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر واجب شرعي لا نعذر بتركه. يقول تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الأرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:116-117] . فما دام في الأمة مصلحون فهم صمام الأمان لها من نزول العذاب العام، وأما إذا كنا صالحين في أنفسنا فقط دون إصلاح فإن الأمر كما قال لعائشة رضي الله عنها لما قالت: يا رسول الله إن الله إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم؟ فقال: (( يا عائشة إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، فيصابون معهم ثم يبعثون على نياتهم و أعمالهم ) ) [رواه ابن حبان] .

وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم ) )قالت: قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: (( يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ) ). فإما الإصلاح وإما العذاب العام عافانا الله وإياكم.

ولكن لنعلم عباد الله أن النصر من عند الله قادم لا محالة قال تعالى: هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9] . واعلموا أن هذا معلوم حتى لدى أعداء هذا الدين.

واسمع إلى ما ذكره الأستاذ يوسف العظم قال: لقي وزير الحرب اليهودي موشي دايان في إحدى جولاته شابًا مؤمنًا في مجموعة من الشباب في حي من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث يهودي، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال: أنتم أعداء أمتنا تحتلون أرضنا وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم لابد آت بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول: (( لتقاتلن اليهود أنتم شرقي النهر وهم غربيه ) )، فابتسم دايان الماكر وقال: حقًا سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلًا.. ولكن متى؟. ثم استطرد اليهودي الخبيث قائلًا: إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه ويقدر قيمه الحضارية.. وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل.

فهذا اليهودي أيها المؤمنون يشير إلى استعادة الهوية التي فقدناها.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم رحمة من عندك اهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولُم بها شعثنا ورد بها الفتن عنا.

غياب الهوية

مازن التويجري

الرياض

جامع حي النزهة

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-إظهار الغرب الكافر لما كان يخفيه من العداوة والبغضاء. 2- أهمية الهوية الإسلامية والاعتزاز بها. 3- عزة سحرة فرعون وثباتهم على الحق. 4- حرص اليهود والأعادي على إقصاء الهوية الإسلامية عن الصراع معهم. 5- مفهوم الهوية الإسلامية. 6- أمثلة معاصرة لدور الهوية الإسلامية في عزة المسلمين ودحر الكافرين.

الخطبة الأولى

إن الناظر اليوم لهذا العالم الممتد وهو يغلي تحت نار الصراعات والأحقاد يرى أمم الكفر من شرق وغربٍ تداعت على أمة الإسلام من كل حدب وصوب، وليس هذا بغريب، ولكن الجديد فيه هو لغة الخطاب الذي يصاغ فيه صراع اليوم.

ها هو الغرب الكافر يسفر عن وجهه الحقيقي، فما عاد الذئب النذل بحاجة أن يلبس لبوسَ الحمل الوديع، ويقلّم مخالبه، ويخفي أنيابه، لينهب ما شاء من القطيع، بل هو اليوم يتكلّم بلغة جديدة، يطالب فيها من شاء من القطيع ومن أعجبه أن يتقدّم لينطرِح بين يديه، كُل ما شئتَ ودَع ما شئتَ، والذئب الآخر يطالِب القطيع أن يذبحوا حبيبَه المفضّل ثم يقدّموه بين يديه على الطريقة التي تروق له.

معاشر الفضلاء، إن الأسباب كثيرة وراء هذا الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم، ولكن ثمة سبب مرجع جميع الأسباب إليه، وهو الإجمال لتفصيلها، ما انتصرت أمة إلا كان هو شعارها ودثارها، بدونه لا تسعى الأمة لهدف، ولا تنشد غاية، تتخبط في الأرض، تتلقف ثقافات الأمم، وتجري خلف كل ناعق.

إنها قضية العزة، الافتخار، الاعتزاز بالدين، الشعور بتملّك الحق الفريد الذي لا يشركنا فيه غيرنا، الذي يثمر شخصية للمسلم متميزة، لها هويتها المستقلّة الفذّة، التي تمتلئ اقتناعًا بسلامة طريقها ومنهجها، وفي المقابل لا تشكّ بأن ما عليه أولئك باطل محض يفضي إلى النار والعطب، قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِين [الأنعام:161] ، قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ [الزمر:64-66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت