* قضية الهدي الظاهر باعتباره معبّرًا عن العقيدة ومظهرًا للانتماء، تحتاج إلى عناية خاصة من القائمين على أمر هذا الدين، والحريصين على الهوية الإسلامية، ولا شك أن قضية التغريب والحرب على الهوية الإسلامية قد صاحبتها دعوة إلى تقسيم الدين إلى مظهر وجوهر، بحيث يتخلى الناس عن المظهر بحجة أن الجوهر كافٍ، ولا شك أن هذه الدعوى لها مخاطرها.
الشيخ /محمد بن إسماعيل:
هذه الدعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها العذاب، وقد انطلت على كثير من السذج حتى صاروا يروّجون لها دون أن يدركوا أنها قناع نفاقي قبيح، وأنها من لحن قول العلمانيين الذين يتخذونها قنطرة يمرقون عليها من الالتزام بشرائع الإسلام دون أن يُخدَش انتماؤهم إليه.
وإذا كانت القضية تتوقف عند حَسَني النية من المسلمين المخلصين عند نبذ ما أسموه: (قشرًا) للتركيز على ما دعوه: (لبّا) ، ولكنها عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها مدخل لنبذ اللّب والقشر معًا، تمامًا كما يرفعون شعار الاهتمام بـ (روح النصوص) وعدم الجمود عند منطوقها.
ومع أن هذا كلام طيب إذا تعاطاه العلماء وطبقه الأسوياء؛ إلا أنه خطير إذا تبناه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية والمشوهون عقديًا؛ إذ يكون مقصودهم حينئذ هو إزهاق روح النص بل اطّراح منطوقه ومفهومه، أو توظيفه بعد تحريفه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة.
إنهم يريدونه دينًا ممسوخًا كدين الكنيسة العاجزة المعزولة عن الحياة الذي يسمح لأتباعه بكل شيء مقابل أن يسمحوا له بالبقاء على هامش الحياة.
ولقد لفتنا سلفنا الصالح إلى أهمية التمايز الحضاري بالمحافظة على (قشرة) معينة تفترق بها أمتنا عن سائر الأمم، وهذه القشرة التي تحمي الهوية الإسلامية المتميزة هي ما أسماه علماؤنا رحمهم الله بـ: (الهدي الظاهر) ، وأفاضوا في بيان خطر ذوبان الشخصية المسلمة وتميعها.
فالقضية إذن قضية مبدأ وليست مجرد شكل ومظهر؛ فنحن كما نخاطب الكافرين: (لكم دينكم ولنا دين) نقول لهم أيضًا: (لكم قشرتكم ولنا قشرتنا) ، ولأننا بشر مأنوسون ولسنا أرواحًا لطيفة، فإن ذلك يقتضي أن يكون لنا مظهرٌ ماديٌ محسوس، هذا المظهر شديد الارتباط بالجوهر، وقد جعلت الشريعة الحنيفية تميز الأمة المسلمة في مظهرها عمن عداها من الأمم مقصدًا أساسيًا لها؛ بل إن أهل كل ملة ودين يحرصون على مظهرهم باعتباره معبّرًا عن خصائص هويتهم، وآية ذلك أنك ترى أتباع العقائد والديانات يجتهدون في التميز والاختصاص بهوية تميزهم عن غيرهم، وتترجم عن أفكارهم، وترمز إلى عقيدتهم.
وهذا أوضح ما يكون في عامة اليهود الذين يتميزون بصرامة بطاقيتهم، ولحاهم، وأزيائهم التقليدية، وفي المتدينين من النصارى الذين يعلقون الصليب، وفي السيخ والبوذيين وغيرهم.
أليس هذا كله تميزًا صادرًا عن عقيدة ومعبرًا عن الاعتزاز بالهوية؟!
وإذا كانت هذه المظاهر هي صبغة الشيطان، فكيف لا نتمسك نحن بصبغة الرحمن التي حبانا الله ـ عز وجل ـ (( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) ) [البقرة: 138] .
لماذا تقدس الحرية الدينية لكل من هب ودب، وفي نفس الوقت تشن (الحروب الاستراتيجية) على المظاهر الإسلامية كاللحية والحجاب، حتى إنه لتعقد من أجلها برلمانات، وتصدر قرارات، وتثور أزمات، وتجيّش الجيوش، وترابط القوات، هذا ونحن أصحاب الدار.
كل دارٍ أحق بالأهل إلا في رديء من المذاهب رجس
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
أفكل هذا من أجل ما أسموه (قشورًا) لا! بل هم يدركون ما لهذه المظاهر من دلالة حضارية عميقة، ويدركون أنها رمز يتحدى محاولات التذويب والتمييع، ويصفع مؤامرة استلاب الهوية كمقدمة للإذلال والاستعباد.
إن من يتخلى عن (القشرة الإسلامية) سيتغطى ولا بد بقشرة دخيلة مغايرة لها، فلا بد لكل (لب) من (قشر) يصونه ويحميه، والسؤال الآن: لماذا يرفضون (قشرة الإسلام) ويرحبون بقشرة غيره؟ فيأكلون بالشمال، ويحلقون اللحى، ويُلبسون النساءَ أزياء من لا خلاق لهن، ويلبسون القبعة، ويدخنون (البايب) و (السيجار) ؟!
إن تقسيم الدين إلى قشر ولب غير مستساغ، بل هو محدَث ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح الذين كل الخير في اتباعهم واقتفاء آثارهم، فضلًا عن أنه يؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير، ويورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة التي يعتبرونها قشورًا، فتخلو قلوبهم من أضعف الإيمان، ألا وهو: الإنكار القلبي.
* في الختام.. نرجو أن نكون قد وُفّقنا ـ لا نقول: في معالجة القضية، ولكن في طرحها والإشارة إلى أبرز نقاطها؛ لأن القضية ما زالت تحتاج إلى تفعيل على كافة المستويات، من رسم أدوار.. وبذل جهود.. وفضح مؤامرات.. وتصدّ لمكائد ومخططات.
جزى الله مشائخنا وأساتذتنا الذين شاركونا في الندوة خير الجزاء..
وأثابهم على جُهدهم هذا أضعافًا مضاعفة في الدنيا والآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،
الهوامش:
(1) أحمد (17939) .ب
(2) مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة (2922) ، أحمد (27502) .
أزمة الهوية عند الشباب المسلم..
(نظرة تشخيصية)
تنتمي أزمة الهوية الإسلامية المعاصرة للشباب المسلم لذلك النوع من الأزمات المزمنة الذي تتشعب أسبابه وتتفرع متعلقاته، فالنظرة لها يجب أن تكون نظرة شاملة متعمقة دارسة للواقع الفعلي لذلك الشباب المسلم وتيارات التأثير التي تؤثر فيه ومنابع المد التي تمده وتغذيه، فهي أزمة تجتمع فيها مسارات سياسية وعقائدية وفكرية ثقافية وتنموية اجتماعية تجتمع كلها لتشكل أزمة التكوين الثقافي والسلوكي والعقائدي والفكري لذلك الشباب المسلم الذي ينتشر في ربوع الأرض، بعضه يعيش في موطنه والبعض الآخر خارج وطنه، والغريب الداعي للبحث أن كليهما يعاني من أزمة الهوية!!
إن المسار التاريخي قد أفرز فسحة في البناء الحضاري اسمها (القابلية للاستعمار) ، وهذه الفسحة تعكس تنامي عوامل التفكك في الأبعاد الفكرية و السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما تعكس تراجعًا كبيرًا في الانتماء العقائدي للشباب في تلك المساحة الاستعمارية التاريخية، فهنا إذن مساحة تسمح للبؤر الناشئة في عصر التفكك والضعف بالارتباط بمركز آخر للتلقي والتوجيه ونفس الشيء يحدث بالنسبة للوعي عندما يبدأ بالتواصل مع مرجعيات مغايرة وليس المهم أنها تابعة للمركز الاستعماري بقدر ما هي مبتعدة عن المركز الحضاري الأصلي وهو في قضيتنا هنا الحضارة الإسلامية، وبالتالي فإن الوعي سيبدأ بالتغير وستفقد المقولات الأصلية التي تكون الهوية هيمنتها عليه فيغدو القبول بمقولات الآخر شيئًا مألوفًا،وبسلوكيات الآخر وطريقة تفكيره وربما يتنامى ذلك أيضًا للاعتقاد!!
وهذا يعني إلغاء التجانس (الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، الثقافي، الفكري، الاعتقادي) ذلك الذي يعد أهم مظهر من مظاهر وحدة الحضارة وتحديد الهوية، ولذا يمكن أن نعرف ذاك التجانس بأنه (العناصر المشتركة التي تصلح كمقومات لبناء هوية مجتمع واحد للأمة) ، وعليه فإن مقابلة أي تعدد سيعني زوال ذلك التجانس الذي يفرز الحضارة ويبني الهوية، فكما أن قضية الهوية الشخصية يعد أزمة موجبة للعلاج فإنه لابد للنظر إليها من خلال أزمة أخرى أكثر إيجابا للعلاج هي أزمة الهوية المجتمعية التي تسبب الضياع الفردي والذوبان في المغاير...