فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 719

وتستعمل كلمة (هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة Identity التي تعبر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقة لمثيله، وفى المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي: حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميز عن غيره، وتسمى أيضًا وحدة الذات.

ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة هوية أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز الفرد أو المجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات ومن قيم ومقومات.

وخلاصة الأقوال: إن الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية طابعًا تتميز به عن الشخصيات الأخرى.

وسوف نحاول من خلال استقراء وجهات نظر الخبراء والمربين والدعاة البحث في قضية الهوية الإسلامية لشبابنا هادفين للخروج بمنظور علاجي نافع يعد انطلاقة مقبولة للعودة إلى الانتماء والتطبيق للمعنى الإسلامي الأصيل..

أولًا: مظاهر ضعف الهوية الإسلامية لدى الشباب المسلم..

تتكاثر المظاهر التي قد يراها البعض انفتاحًا وتقدمًا ورقيًا في حين يراها الآخرون إذلالًا وتبعية وذوبانًا للهوية..

يقول الدكتور محمد إسماعيل المقدم: يمكنك أن ترى أزمة الهوية الإسلامية في الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه وفي سيارته، وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم، وفي المسلمين الذين يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية بغير عذر ملجئ ثم يفتخرون بالفوز بجنسية البلاد الكافرة وفي المذيع المسلم الذي يعمل بوقًا لإذاعة معادية لدينه من أجل حفنة دولارات، وفي أستاذ الجامعة الذي يسبح بحمد الغرب صباح مساء... وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته ويرى بعيون الآخرين ويسمع بآذانهم وباختصار: يسحق ذاته ليكون جزءًا من هؤلاء الآخرين"أيبتغون عندهم العزة"؟!

ويقول الدكتور عصام هاشم: يوم أن ضيَّع أفراد الأمة هويتهم، وذهبوا يتخبطون في دياجير ظلمة الحضارة المعاصرة بحثًا عن هوية، ظهرت نسخة مشوهة من الحضارة الغربية بين شباب بلاد الإسلام، حيث ظهر من يقلدهم في لباسهم وأكلهم وشربهم وقصات شعورهم، بل وحتى في سعيهم البهيمي في إشباع شهواتهم، وظهر من فتيات الإسلام كذلك من تعرت وتفسخت وتركت حجابها وظهرت على شاشات الفضائيات والقنوات مغنية أو راقصة أو مقدمة، والأدهى من ذلك والأمر أن هناك من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا يسعون باسم الثقافة والتقدم إلى مزيد من طمس الهوية الإسلامية؛ فيسعون لكشف المحجبة، وإفساد المؤدبة، وإخراج المكنونة المستترة..

ويقول الدكتور جمال عبد الهادي: إن الأزمة بلغت إلى حد أن الأمة صارت تستورد قيمها من غيرها لتبني حضارتها ولاشك أن هذه أعظم مخادعة للذات ؛ لأنها تبني بيتها على جرف هار، إن من يتصور أن في اتباع قيم الآخرين ومناهج حياتهم الوجاية والوقاية من بطش أمم شاء الله لها العلو في الأرض زمنًا والإفساد فيها إلى حين لهو واهم؛ لأن صدام الحضارات والأديان والثقافات أصبح حقيقة واقعة ومعلوم من التاريخ والواقع بالضرورة..

ويقول الدكتور عبد العزيز التويجري: إن الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمم والشعوب في هذا العصر، هو ذلك الخطر الذي يمسّ الهوية الثقافية والذاتية الحضارية والشخصية التاريخية للمجتمعات الإنسانية في الصميم، والذي قد يؤدي إذا استفحل، إلى ذوبان الخصوصيات الثقافية التي تجمع بين هذه الأمم والشعوب، والتي تجعل من كل واحدة منها، شعبًا متميزًا بمقومات يقوم عليه كيانه، وأمة متفردة ً بالقيم التي تؤمن بها وبالمبادئ التي تقيم عليها حياتها.

ومهما تكن الألفاظ الجامعة التي يوصف بها هذا الخطر الذي بات اليوم ظاهرةً تكتسح مناطق شتى من العالم، بما فيها المناطق الأكثر نموًّا والأوفر تقدّمًا في المجالات كافة، وأيًا كانت طبيعة هذه الظاهرة وحجمها والأدوات التي تستخدم في تحريكها، فإن مما لاشك فيه أن لهوية والثقافة بخصوصياتهما ومكوّناتهما ومقوماتهما، هما المستهدف في المقام الأول، وأن الغاية التي يسعى إليها الماسكون بأزّمة السياسة الدولية في هذه المرحلة، هي محو الهويات ومحاربة التنوع الثقافي، والعمل على انسلاخ الأمم والشعوب عن مقوماتها، لتندمج جميعًا في إطار النموذج الأمريكي الأقوى إبهارًا، والأشدّ افتتاناّ في العصر.

ونحن نستطيع استقراء أهم المظاهر التي تدل على أزمة الهوية لدى الشباب المسلم في عدة نقاط هامة وأساسية:

1-الانبهار الشديد بالتقدم الغربي على مستوى التكنولوجيا والحضارة المادية.

2-التطلع لمشابهة الغربيين والأمريكيين وغيرهم من الشعوب المتقدمة مع الشعور بالدونية والانكسار تجاه تلك الشعوب.

3-التحرر من القيم المقيدة للسلوك الإباحي تشبها بالتحرر الغربي الجنسي والسلوكي.

4-ضعف الولاء والانتماء للتشكيل الإسلامي القيمي والمبادئي والمعيشي.

ثانيًا: ما هي طبيعة النزاع والتحدي بين الهوية الإسلامية والثقافات الأخرى؟ وما سبب الانكسار لدى الشباب المسلم أمام الثقافات الغربية؟!

يقول الأستاذ الدكتور أحمد زايد: إن ثقافة العولمة التي تتحدى وتتصارع مع الهوية الإسلامية هي ذات خصائص معينة تجعلها تتميز بالقوة والدعم الذين تفتقدهما الثقافة الإسلامية في هذا العصر، فهي ثقافة يصاحبها في الغالب خطاب تقني وعملي، فهي تنقل عبر الوسائل الاتصالية الحديثة، وهي بذلك مصنوعة بحساب.

وهي نخبوية تُفرض من أعلى من دون أن تكون لها قاعدة شعبية، أو تعبر عن حاجات محلية، أو تلتزم بأشكال ومضمون التراث الثقافي التي تنتقي منه.

وإذا كانت ثقافة العولمة ثقافة نخبوية، فإنها تساعد على تركّز القوة. والقوة هنا ليست قوة سياسية فحسب، بل قوة التكنولوجيا المرتبطة بالمشروعات الصناعية ذات الصبغة الكونية كشبكات الحاسوب والإنترنت، وهي ما يطلق عليها تقنيات العولمة ، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بثقافة الاستهلاك، فالعمليات المرتبطة بنشر الحداثة تساعد على نشر القيم والرموز وأساليب السلوك المرتبطة بالاستهلاك.

وهي ثقافة تعمل على خلق نماذج وصيغة موحدة عبر العالم، كما تدعم نظامًا للصور الذهنية حول موضوعات خاصة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسوق الرأسمالي.

وتنطوي ثقافة العولمة التي تنبثق من الحداثة المادية بخصائصها تلك، على مخاطر عديدة تتهدّد الهوية والثقافة في آن واحد، مما يؤكد قوة الترابط والتلازم بين الهوية والثقافة أيًا كانتا وهو الأمر الذي يستدعى تقوية العلاقة بين العنصرين الرئيسيْن من عناصر الكيان الأممي: الهوية والثقافة؛ لأن في الحفاظ على الهوية والثقافة وقايةً من السقوط الحضاري، وصيانة ً للذات، وتعزيزًا للقدرات التي يمكن التصدّيّ بها لضغوط التحدّيات مهما تكن.

ويقول الأستاذ الدكتور شفيق عياش (عميد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القدس) : يمثل المحور الثقافي الامتداد الأوسع لحركة العولمة الثقافية، ولعلي هنا أبرز بعض التحديات التي تأتي بها العولمة، وتطال في هذا المحور كافة العناصر المكونة للوجود الديني أو الانتمائي للدول المستهدفة عبر وسائل متبعة لنشر ثقافة التغريب والعولمة، ومن ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت