فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 719

وفي الجانب السياسي كان الهدف من الوصول الى الحكم هو تحقيق الهوية التي تماهت مع العقيدة ومستلزماتها، فظهرت مشروطات عقدية لم تكن معروفة من قبل كالولاء والبراء، والذي جعل الحراك السياسي في المجتمعات الاسلامية مقيدًا بمقولة الإيمان والكفر وهو حكم لا يقتصر على الأفراد بل يعم الدولة وأحيانًا المجتمع، حتى ان التعاطي السياسي بتأويل كان كافيًا لدى البعض للتصنيف العقدي، ولئن كانت هذه رؤية واضحة لدى المتطرفين من الاسلاميين الذين يستحلون دماء السياسيين على قاعدتها، فإن رؤية معظم الاسلاميين في مقاربة العمل السياسي السلمي قامت على مبدأ المصلحة أو التدرج وتقديم الأولويات، أما التنظير السياسي الاسلامي فلا يزال خطابه ينقصه الكثير من الوضوح والتماسك تجاه الرؤية السياسية المعاصرة، فهو من جهة مشغول بهاجسي الهوية والشرعية ببعديهما المطلق، وكلاهما يصطدمان مع آليات العمل السياسي المعاصر المحلي والدولي، لكن ذلك لا يعكس عجزًا اسلاميًا في التعامل العملي مع تلك الاشكالية، فقد أثبت التجارب قدرة الاسلاميين على التكيف مع الشروط السياسية المعاصرة بل والنجاح في تحقيق مصالح اسلامية بعيدة المدى (النموذج التركي) ، وتحقيق أكبر قدر ممكن من القيم الاسلامية التي فشلت الرؤى الاسلامية المتشددة في تحقيق بعضها.

هاجس الهوية الذي التصق بفكرة الخلافة بعد سقوطها أورث رؤية أحادية لنظامها وتأويلًا مشتركًا للتاريخ يحفظ توازن النظرية السياسية، ولم يكن ممكنًا طرح رؤية نقدية لهذا التصور طالما أصبح يشكل مرجعية الحركة السياسية الاسلامية ونظامها الأساسي، فكان أي طرح نقدي يعني انشقاقًا سياسيًا على أرض الواقع، وهذه احدى خلفيات الانشقاقات التي عرفتها الحركات الاسلامية المعاصرة، تلك الانشقاقات كانت تتوزع بتدرج على صعيدين: الأول ينزع بالرؤية السياسية الى الزوايا الأضيق الملتصقة بالهوية والمماهية بين جميع مفردات العملية السياسية: العقيدة والخلافة والحاكمية والشريعة والجهاد من أجلها...، كل تلك المفردات كانت كلًا لا ينفصل، وهي تكون أو لا تكون، فتمت المفاصلة بين المؤمن بهذه الرؤية وبين المجتمع الجاهلي الذي لا يجسدها، أما الصعيد الثاني من الانشقاقات فكان في الاتجاه المضاد الموسع من معنى الهوية والفاصل بينها وبين النظر السياسي وتوسع هذا الانشقاق احيانًا ليتماهى مع العلمانية الفاصلة بين الدين والدولة.

ان العنصر الأهم الذي فعَّل هذا الجدل هو المتغيرات القسرية التي جدَّت في حياة المسلمين في جميع ميادينها، ولم يكن هناك بد من التعاطي معها، فالتعاطي الايجابي كان يفترض رؤية مرنة تتفهم تلك التحولات المقترنة بتحولات عالمية لا قبل للمسلمين بها، وهم لم يصحوا بعد من صدمة تحول مجرى التاريخ من مركزيتهم الى المركزية الغربية، أما التعاطي السلبي مع تلك التغيرات ورفضها فكان يعني الاصطدام والعنف والانزواء لأن حركة التاريخ لا تسير وفق ارادات الأفراد والامنيات إنما وفق سنن كونية، ومن لم يفهم هذه السنن ظن ان التغيير ممكن بجهود فئة محددة ومن خلال تغيير نظام حكم في بلد معين أو إقامة نظام آخر على أسس اسلامية.

ان انشغال الفكر الاسلامي بهاجس الهوية جعل التنظير السياسي الاسلامي يغفل عن الاجابة عن أسئلة كثيرة فرضها سقوط الخلافة والتحولات العالمية، وكان يمكن لهذه الأسئلة ان تجد إجابات متقدمة لو استمر فكر الاصلاح الذي بدأ في القرن التاسع عشر، وأبرز علامة على هذه الاسئلة طبيعة تصور العالم المعاصر ومقايسته الى العالم القديم، وبناء الفقه السياسي المعاصر استنادًا الى معطيات واقع الفقه القديم، على رغم الاختلاف الشاسع في طبيعة وبنية كل، مع غفلة عن حركية الفقه القديم في التعامل مع المتغيرات التي كانت تطرأ، ولعل أبسط مثال يمكن الاستشهاد به اليوم مفهوم الدولة الاسلامية ذاته، فهل تكون الدولة اسلامية بتاريخية الأرض أم بقوانين الحكم أم بدين الحاكم أو المحكوم أم بدستور البلاد أم بجميع ذلك؟ تلك أسئلة لم تكن مطروحة في ظل الخلافة، إذ كانت كل تلك العناصر مجتمعة عمليًا، أما اليوم فكلها متشتتة، وبالتالي فنحن أمام مجتمعات إسلامية تحكمها دولة وقوانين علمانية، كما أننا بصدد أقليات إسلامية في مجتمعات غير إسلامية تحكمها أنظمة علمانية أيضًا، وقد يتاح للمسلم في الحال الثانية إقامة شعائر دينه وتحقيق القيم الاسلامية بطريقة لا تتاح في الحال الأولى، ففي أي من الحالين ستعتبر الدولة الاسلامية؟ وبالتالي مفهوم الأمة والجماعة هل سيكون مقيدًا بحدود سياسية أو جغرافية؟ أسئلة كثيرة في العمق لم يسمح الزمن بالإجابة عنها نظرًا الى تسارع متغيراته، لكن اللافت ان الاحكام المطلقة على العالم لا تزال مستمرة في وقت يعيش أضعاف عدد المسلمين في العالم العربي في ظل حكومات وبين مجتمعات لا نصفها بالإسلامية.

ان مفهوم الدولة الحديثة التي أعقبت الاستعمار لا يمكن بحال مقايسته الى شروط دار الإسلام والخلافة، ولا بد من مقاربة جديدة للمفهوم المعاصر للدولة وآلية التعاطي السياسي الاسلامي معها، وهذا لا يعني مفاضلة بين الحاضر والماضي، إنما لا يصح منهجيًا تصور الدولة الحديث على أنها استمرار للماضي والتعاطي معها على هذا الأساس، ثم الحكم على العلاقات الدولية بناء عليه، وهذا لا يقتصر على التصور السياسي بل يستتبعه الكثير من الأحكام التعبدية والاجتماعية والاقتصادية، فمثلًا هناك من العلماء اليوم من لا يوجب صلاة الجمعة على المسلمين في الغرب لأن ديارهم ليست ديار إسلام، وهذا يستتبع حكمًا آخر هو وجوب الهجرة من تلك الديار، في الوقت الذي يوفد فيه المسلمون نخبة أبنائهم الى العرب لاستيراد العلم والطب وتطوير مجتمعاتهم... أليست مفارقة حادة

صراع الهويات.. وخصائص الهوية الإسلامية ...

الاربعاء:12/05/2004

(الشبكة الإسلامية)

قضية الهوية قضية محورية، أزعجت كل الناس، إذ إن كل جماعة أو أمة تعوزها الهوية المتميزة ليمكنها المعيشة والمحافظة على وجودها؛ فالهوية هي التي تحفظ سياج الشخصية، وبدونها يتحول الإنسان إلى كائن تافه فارغ غافل تابع مقلد؛ لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، وبالتالي تحديد سمات شخصيته فتجعله إنسانًا ذا قيمة ولحياته معنى وغاية.

والهوية معناها: تعريف الإنسان نفسه فكرًا وثقافة وأسلوب حياة.. أو هي مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره.

وكما أن للإنسان هوية كذلك للمجتمع والأمم هوية.. فهناك مجتمع إسلامي، ومجتمع علماني، وهناك النصراني، وأيضا الشيوعي والرأسمالي.. ولكل منها مميزاتها وقيمها ومبادؤها.

فإذا توافقت هوية الفرد مع هوية مجتمعه كان الأمن والراحة والإحساس بالانتماء، وإذا تصادمت الهويات كانت الأزمة والاغتراب. ومن هنا يمكنك فهم معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا؛ فَطُوبىَ لِلْغُرَبَاءِ" [مسلم] .

هذه الهوية هي التي تتبناها النفس، وتعتز بالانتساب إليها، والانتماء لها، والانتصار لها، والموالاة والمعاداة على أساسها، فبها تتحدد شخصية المنتمى وسلوكه، وعلى أساسها يفاضل بين البدائل.

وبالنسبة للمجتمع تعتبر الحصن الذي يتحصن به أبناؤه، والنسيج الضام، والمادة اللاصقة بين لبناته، فإذا فقدت تشتت المجتمع، وتنازعته المنتاقضات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت