فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 719

هذا الكلام يمكن أن يُستنبط منه دور المرأة الخطر في صناعة الأجيال ، فهي التي تباشر عملية التربية وبناء الإنسان الذي ، كما هو معلوم ، يصنع الحضارة .

2-الهجوم على الدين والازدراء بكل ما هو ثابت ومتفق عليه في الشريعة الإسلامية ، فإضافة إلى الازدراء بالحجاب الذي يعد جزءًا من الهوية الثقافية الإسلامية، يكثر الهجوم على قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم حياة الأسر من ناحية الزواج والطلاق والإرث ، بحجة عدم مراعاته للمساواة بين المرأة والرجل ، أو بحجة فتح باب الاجتهاد واللحاق بركب التطور ، وغير ذلك من الأفكار التي تحاول التقليل من سيطرة الدين على حياة البشر ، عبر اعتماد مبدأ"فصل الدين عن الدولة".

ويمكن استنباط سبب تبني العديد من النسوة النظرة القيمية الغربية من قول للمؤرخ التاريخي ابن خلدون في مقدمته ، حيث بيّن أن:"المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب"، وبما أن غلبة القوة العسكرية والتقنية اليوم هي للغرب ، وبما أن هذه القوة والتقدم يرتبطان في الأذهان بالقوة والنجاح ، فقد اعتقد بعض الناس أنهم للوصول إلى النجاح والرقي الذي وصل إليه هؤلاء لا بد من اتباعهم في قيمهم ومفاهيمهم ، حتى ولو ظهر جليًا فشل هذه المفاهيم وتراجعهم هم أنفسهم عنها .

لقد اصطدم هؤلاء ، في أثناء محاولتهم إسقاط قيم ومبادئ الغرب على التشريعات الإسلامية، باستحالة تخلي المسلمين عن تشريعاتهم الإلهية الثابتة ، فدعوا عندئذ إلى فتح باب الاجتهاد من أجل تعديل قوانين الأحوال الشخصية حتى تتناسب وتطلعاتهم ، متناسين بذلك الشروط التي يجب أن تتوافر في المجتهد ، من ورع وتقوى وإخلاص النية لله تعالى ، وعِلمٍ بالنصوص واللغة ، إلى جانب فهم للعصر والأعراف ، وغير ذلك من الشروط التي وضع العلماء بنودها من أجل حماية هذا الدين من المتطاولين والمتطفلين .

إن الهدف من وراء دعوتنا إلى تغيير الخطاب النسوي الإسلامي ، هو إيجاد نساء مسلمات واعيات لما يخطط لهن ، مدركات بأن النهوض بالأمة لن يكون إلا بإيجاد حلول لمشاكلها تتخذ من الخصوصية الحضارية والثقافية للأمة أساسًا لها.

من هنا تأتي أهمية معرفة اختلاف النظرة إلى المرأة بين الإسلام والغرب ، ففيما ينظر الغرب إلى المرأة بطريقة مفككة جزئية، ويحاول إيجاد حلول لمشاكلها بمعزل عن الحلول الخاصة بالطفل أو الرجل أو المسن ، نجد النظرة الإسلامية لا تنظر إلى المرأة خارج نطاق أسرتها ، فهي تجد الحلول المناسبة لمشاكلها ، أمًا كانت أو اختًا أو زوجة ، إضافة إلى أن الإسلام لا ينظر إلى المرأة في مرحلة عمرية واحدة بل هو ينظر إليها في كل مراحل عمرها ، وخاصة عند كِبَرها وحاجتها إلى العناية والاهتمام من قبل عائلتها ،وهذه الحلول هي ما تفتقد إليه الدول الغربية حاليًا.

إضافة إلى ذلك لا ينبغي أن ننسى أن الاختلاف في البيئة والتفكير بين المجتمعات يجعل من المستحيل توحيد النظرة إلى الهموم وبالتالي توحيد الحلول حتى بين المجتمعات الإسلامية الواحدة فكيف إذًا بين ثقافة وأخرى ؟ إن معظم هموم المرأة المسلمة لا تتعلق بقضية المرأة الريفية أو قضية الطفلة الأم أو حتى قضية العنف ضد المرأة، التي يحاول الغرب تسليط الضوء عليها وإبرازها كمعضلة أساسية تستدعي حلًا سريعًا، فإننا وإن كنّا نعترف بوجود بعض هذه الهموم ، إلا أنها لا تشكل القاعدة الأساسية ، بل إن همومنا مختلفة تمامًا ، فهي لا تعود إلى تخلف تشريعاتنا الدينية بل تعود بالدرجة الأولى إلى عدم تطبيق بعض الناس للأحكام الشرعية ، مثل تهرب بعض المسلمين من تطبيق شرع الله في الطلاق وإعطاء حق المهر للزوجة ، أو في إعطاءها المرأة حقها في الإرث الذي حدده رب العالمين .

أما المشاكل الاجتماعية الخاصة بمجتمعاتنا دون سوانا ، فهي أيضًا متعددة ، وتختلف كما قلنا من بيئة إسلامية إلى أخرى، فمنها التشجيع على الزواج بدل القضاء عليه ، حماية كبار السن الذين أوصى بهم الله ورسوله حيث بات لعمل المرأة دور في إهمالهم وإلحاقهم بدور الرعاية الاجتماعية ، إضافة إلى ارتفاع سن الزواج، وارتفاع نسب الطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج ، وأنواع الزواج المختلفة، مثل الزواج العرفي، وزواج المِسيار، إلى جانب العلاقات المحرمة التي تؤدي إلى تفشي الأمراض النفسية والاجتماعية .

ولا يجب أخيرًا أن ننسى مهمة المرأة المسلمة في ظل الاستعمار العسكري والغزو الفكري الذي تتعرض له أمتنا، فإذا أخذنا فلسطين المحتلة مثلًا ، فإن من المستنكر أن تتحدث بعض المنظمات النسوية عن تعديل قانون الأحوال الشخصية وتحديد النسل في فلسطين في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون من حرب على الوجود ،"وذلك بدلًا من أن تعمق هذه المنظمات من وعي النساء بطبيعة المشكلات الاجتماعية ربطًا بسياسة الاحتلال والمصائب اليومية التي تقع على كاهل الشعب الفلسطيني بسببها".

المؤسسات التربوية والتعليمية ودورها في تحقيق معنى الوطنية

الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد

أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها

ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ؛ وبعد:

فالوطنية صفةٌ مُشتقةٌ من الوطن الذي يعني مكان إقامة الإنسان ومحل معيشته مع من حوله من كائناتٍ ، وما حوله من مكونات . وهنا يُلاحظ أن الإنسان في هذا الوطن مرتبطٌ مع من في مجتمعه بالعديد من الروابط الاجتماعية والمصالح المُشتركة .

وليس غريبًا أبدًا أن يُحب الإنسان وطنه الذي عاش فيه ، ونشأ بين ربوعه ؛ إذ إن ذلك أمرٌ فطريٌ وسلوكٌ طبيعيٌ وعاطفةٌ إنسانيةٌ يشترك فيها الناس جميعًا على اختلاف الأزمنة والأمكنة . وهنا يجب تأكيد أن الوطنية الصادقة المنضبطة لا تتعارض وتعاليمَ الدين الإسلامي الحنيف وتوجيهاته الكريمة التي تحث في مجموعها على محبة الوطن وصدق الانتماء إليه ، وقد أشارت بعض آيات القرآن الكريم في معرض حديثه عن فضائل الصحابة الكرام الذين هاجروا من ديارهم وضحوا بأوطانهم في سبيل الله تعالى إلى شيءٍ من ذلك ، قال تعالى: { للفقراء المُهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } ( سورة الحشر: الآية رقم 8 ) .

وليس هذا فحسب فقد أشارت السُنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم - إلى حب الإنسان لوطنه ، وهو ما تمثل في حب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لمكة المكرمة وهي بلده وموطنه الأصلي ، فقد روي عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة:"ما أطيبك من بلدٍ ، وأحبك إلىَّ ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" ( الترمذي ، الحديث رقم 3926 ، ص 880 ) .

والمعنى أن حب الوطن في الإسلام أمرٌ واردٌ ولا غرابة فيه إذا كان يعني حب الوطن وصدق الانتماء إليه . وقد دعا إليه الإسلام شريطة أن يكون ذلك الحب للوطن مُتفقًا مع تعاليم الدين ، وبعيدًا عن العنصرية المذمومة ، والعرقية المقيتة ، والشعوبية البغيضة ، والقومية الرخيصة التي تتنافى كُليًا والوطنية الحقة ، وتختلف عنها بالكلية .

ولأن في كل مجتمعٍ مؤسساته التربوية والتعليمية التي تُعنى بتنشئة أفراده وتربيتهم وتعليمهم ؛ فإن على المؤسسات التربوية والتعليمية في بلادنا أن تحرص على تحقيق المعنى الصحيح للمواطنة الحقة التي نطمح جميعًا إلى تحقُقها من خلال ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت