فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 719

ويقول الأستاذ الدكتور محمد البهي عن العلمانية في أوربا بوجه عام: (إن الموطن الذي ولد فيه الفكر العلماني - وهو إنجلترا وفرنسا وألمانيا - لم يأخذ بالاتجاه العلماني في التطبيق في الحياة العملية: التاج البريطاني لم يزل حاميا للبروتستنت، وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة عملية، والدولة في انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا رغم إعلان أنها علمانية تساعد المدارس الدينية من ضرائبها التي تجبيها من المواطنين مع علمها باستقلال هذه المدارس في برامجها التعليمية، وببعدها عما تجريه الدولة من تفتيش على النفقات التي تنفقها) [ص: 30]

وعندما كتب الدكتور البهي ثلاث مقالات بمجلة الأزهر عام 1985 عن المستشرقين والمبشرين واعتبرت بعض دوائر الفاتيكان أنها تنطوي على بعض الإحراج لشئون التبشير الكاثوليكي كان أول احتجاج وصل إلى وزارة الخارجية المصرية هو احتجاج سفارة الولايات المتحدة الأمريكية تلاه احتجاجات أخرى عديدة من السفارات الغربية التي تمثل في بلادها أكثرية بروتستنتية أو كاثوليكية على السواء، مما يدل على أن الدولة العلمانية الغربية لم تزل ترعى المسيحية كدين والكنيسة الأوربية كسلطة دينية وتحرص على تمكينها من مباشرة رسالتها، كحرصها على حماية أملاك الكنيسة الأوربية وكحرصها على جباية الضرائب الخاصة بالكنيسة الأوربية عن طريق أجهزتها الإدارية.

وحتى رجال الدولة أنفسهم في ممارستهم السياسية العامة للمجتمع يخضعون في ظروف معينة لملاءمة أنفسهم مع تقاليد الكنيسة الأوربية، وعلى سبيل المثال: دوق أوف وندسور وأنتوني إيدن في انجلترا: كلاهما اضطر إلى ترك الوظيفة العامة أو عدم السعي إليها لأن سلوك كل منهما في حياته الزوجية لا يتفق مع ما تراه الكنيسة الأوربية من تقاليد في الزواج.

والجنرال ديجول في فرنسا أقال وزير التربية الاشتراكي في وزارته بعد أن عاد للحكم في المرة الثانية بسبب عدم موافقة الوزير على مساعدة المدارس الدينية في فرنسا من مدارس الجيزويت والفرير بمبلغ ستين مليونا من الجنيهات الاسترلينية في ميزانية 1963 من غير حق التفتيش عليها من قبل وزارة التربية.

ودولة الفاتيكان لم تزل تقوم من جانبها بدور كبير في سياسة البلاد ذات الأغلبية الكاثوليكية عن طريق الأحزاب السياسية التي تسمى بالديموقراطية المسيحية وكذلك في السياسة الدولية العالمية، فالأحزاب الديموقراطية المسيحية هي أجهزة للعمل على رسم الخطة لتنفيذ اتجاه الفاتيكان بالدرجة الأولى وعن طريقها حالت الكنيسة الأوربية دون أن تتطرف العلمانية إلى النوع الثاني الذي يقيم البلشفية دينا بدل المسيحية أو عملت على إسقاطها بعد قيامها [أنظر العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق"للأستاذ الدكتور محمد البهي نشرة مجمع البحوث الإسلامية ص 44 وما بعدها] ."

وجاك شيراك عندما سعى لمنع المحجبات المسلمات من المدارس العامة بدعوى العلمانية الفرنسية كان حريصا على تمرير الصليب والطاقية حصرا عندما استثنى الرموز ذات الحجم الصغير.

وفي بلد مثل فرنسا لعبت دورا بارزا في تاريخ الفكر العلماني ينص مشروع دستور الاتحاد الاوربي الجديد على أن المسيحية هي الإطار الثقافي الذي يتميز به الاتحاد ويشكل أساس الهوية الأوربية، ومعروف أن الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان هو الذي أشرف على أو تولى صياغة مشروع هذا الدستور، وكان هو أحد المعترضين على قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي لأنها دولة إسلامية سوف تخل بالهوية الاوروبية.. [من مقال أحمد عباس صالح بجريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 5\7\2003] .

ومن هنا تتبين المغالطة الخبيثة التي تروجها العلمانية في بلادنا: في القول بأن التقدم الأوربي تحقق عن طريق استبعاد الدين أو فصله عن الدولة، وتتبين دلالة الصرخة التي انفلق عنها رأس العلماني الذي عاين مكانة البابا في الولايات المتحدة الأمريكية عندما قال: (هل وقعنا نحن المسلمين ضحية لعبة شديدة الخبث خرجنا منها بلا صواريخ ولا دين، بل بالفقر والكفر، بينما احتفظ الآخرون بدينهم ووضعوا أعلامهم فوق القمر) .

ولا نريد أن نذهب بعيدا فالصلة القائمة هناك بين الدين والدولة لا تعني انفصالا كما لا تعني اندماجا وهي في الوضعية نفسها للصلة بين السلطات المختلفة في كيان الدولة: وهو فصل يتم تحت مظلة الدولة الواحدة ويظهر لنا أن الأمر لا يعدو أن يكون نوعا من الفصل بين السلطات: سلطة التشريع، وسلطة القضاء، وسلطة التنفيذ، وسلطة رجال الدين، مع إعطاء كل سلطة حقها الكامل في التأثير على الحياة الدنيا، وهو نموذج لا يمكن نقله إلينا أيضا لأنه لا سلطة في الدين الإسلامي لما يسمى رجال الدين، ولن الدين الإسلامي لا يسمح بان يكون له مكان دون مكان المشروعية العليا.

وبهذا بينا قوة تداخل المفاهيم الدينية في بنية الدولة في الغرب وخططها السياسية مما يعني انه على العلمانيين في بلادنا أن يراجعوا أنفسهم ويكفوا عن الزعم بان التقدم مرتبط باستبعاد الدين عن تنظيم شئون الحياة الدنيا اللهم إلا إن كانوا بقايا فلول العلمانية الماركسية.

وسنبين في المقال القادم - إن شاء الله - أنه في علاقة الغرب بنا كانت حروبهم معنا دينية، ليس ذلك فحسب في حروبهم التاريخية المتقادمة ضدنا في الحروب الصليبية، أوفي حروبهم ضد المسلمين في الأندلس ولكن في حروبهم ضد المسلمين في عقر دار العصر الحديث عصر التنويروالحداثة!!

كما نبين إن شاء الله نشاط كنائس الغرب في مجال السياسة نشاطا يلقى الاحترام والاعتراف والتقدير من الجماهير والرأي العام وأصحاب النفوذ على السواء

البعث.. ما هو الدور الجديد؟!!

لقد عاش المشرق العربي حالة من الضياع وعدم الاتزان بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ومن ثم سقوط الخلافة الإسلامية؛ فقد انسحبت القوات العثمانية من العراق والشام متراجعة أمام قوات الإنجليز والثوار العرب، ومفسحة المجال لبريطانيا وفرنسا لتنفيذ اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية لتقاسم أراضي الدولة العثمانية؛ بحيث تكون الشام من نصيب فرنسا لإنشاء كيان نصراني في لبنان، وتكون فلسطين وشرق الأردن والعراق من نصيب الإنجليز الذين كان همهم الأساس هو إقامة كيان يهودي في فلسطين.

ويلاحظ أن الجهد الأساسي في هذه المنطقة قامت به بريطانيا وبدون مشاركة فرنسية، حيث تم الاتفاق مع الشريف حسين وأولاده على الثورة والمشاركة في العمليات العسكرية في بلاد الشام والحجاز الذي شاركت فيه قوات الإنجليز مع قوات المستعمرات من أستراليا وجنوب أفريقيا، أما بخصوص الحملة على العراق فقد شاركت فيها قوات إنجليزية وهندية. وقد حاولت بريطانيا نتيجة لذلك حكم معظم بلاد الشام عن طريق تنصيب فيصل بن الحسين ملكًا على سوريا وأخيه عبد الله اميرًا على شرق الأردن، وفرض حكم مباشر على فلسطين والعراق. وقد تعرقل المشروع بسبب الثورات العراقية المتتالية ضد الإنجليز، وبسبب التدخل العسكري الفرنسي لأخذ نصيبهم من المنطقة وفقًا لاتفاقية سايكس ـ بيكو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت