فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 719

ويواصل الدكتور محمد عصفور تلخيصه لنتائج الرسالة المشار إليها فيقول: (وحتى ندرك ما تملكه الحركة الأصولية المسيحية الصهيونية من قوة اقتصادية هائلة يكفي أن نعلم أن ما أنفقته إحدى منظماتها على الدعاية في محطات التليفزيون وكذلك على التنظيم والتعبئة السياسية خلال انتخابات 1984 حوالي مائة مليون دولار، وهو يفوق ما أنفقه ريجان ومنافسه مونديل معا خلال الانتخابات، ولا تقتصر اهتمامات الحركة بمساندة إسرائيل وإن كانت تستحوذ على جانب كبير من نشاطها - فهي بالإضافة لذلك لها اهتمامها بصياغة السياسة الأمريكية الخارجية سواء بالنسبة لبرامج المساعدات الدولية وبخاصة في العالم الثالث، أو طبع السياسة الخارجية بطابع العداء للشيوعية(!!) ، وزرع هذا العداء في العقل الشعبي وفي فلسفة المجتمع وتسخيره دوليا لإقرار سياسة دولية إرهابية).

هذه السياسة الدولية الإرهابية ضد المدنيين التي تمتد منذ إسقاط الأسطول الأمريكي في الخليج في عام 1988 أثناء حرب الخليج طائرة مدنية أغلبها مسلمون أهلكت ركابها الثلاثمائة إلى سلسلة المذابح والدمار الذي يتساقط فوق رءوس المسلمين في بيوتهم وشوارعهم ونواديهم ابتداء من فلسطين وأفغانستان والعراق وهلم جرا!

فهل قرأت عقول ساستنا ودعاتنا وعلمانيينا وأبناء جلدتنا من عرب المهجر ومسلميهم مثل هذه الدراسة الجادة قبل أن تلتصق رقابنا بمذبح هذه العقيدة الصهيونية المسيحية بعقود، أم أنها انتظرت حتى تكتشف ببلاهة شماعة رامسفيلد وولفوفيتز كأنهم"أمسكوا الديب من ديله"وإذا بهم لا يمسكون غير ديل صناعي مقطوع؟ مع الاعتذار للمثل الشعبي، أم أنهم علموا وتعاموا بفعل التماهي العلماني بينهم وبين هذه الصهيونية المسيحية"الدينية"؟

ويعلق الدكتور محمد عصفور فيقول: (إنه من الشاذ أن تكون أقوى الأحزاب الأوربية هي الأحزاب المسيحية وأن تكون أقوى الحركات السياسية هي الحركة الأصولية المسيحية ثم تحظر في بلادنا الأحزاب الدينية؟)

ولنقطع هنا سياق هذا التعليق الذي كتبه الدكتور محمد عصفور منذ عشرين عاما لنسوق ردا على مثل سؤاله صدر منذ أيام قلائل من الدكتور بلتاجي وزير السياحة - سابقا - والإعلام حاليا بمصر في قناة فضائية وهو يبرر عدم السماح بإنشاء حزب إسلامي في مصر بحجة أن إنشاء هذا الحزب رسميا - بالرغم من الاعتراف بوجوده فعليا - يعني أن غير المنتمين إليه ليسوا مسلمين، متجاهلا أن مثل هذه الحجة لو صحت فإنها تعني عدم السماح بإنشاء أي حزب في أي مكان في العالم، لأن أي حزب من الأحزاب في جميع أنحاء العالم سوف توجه إليه التهمة الساذجة نفسها، في حين أنه لا يضم ولا يدعي أنه يضم جميع الأفراد الذين ينتمون إلى عقيدة الحزب، وإنما هو على أقصى تقدير يدعي أنه يضم من"يتبرع للعمل الحركي لهذا الحزب"أو ذاك، والمحاكمة أوالمحاسبة في هذا ترجع لبرنامج الحزب المسموح به قانونا: إن كان يدعي هذا الأمر أو ذاك، ولو طبقنا هذا المقياس على إنشاء الحزب"الوطني الديموقراطي"الذي ينتمي إليه الوزير نفسه لكان معنى ذلك أن في قيامه اتهاما لغير من ينتمي إليه باللاوطنية واللاديموقراطية، وهو ادعاء ظاهر البطلان.

كما ادعى الوزير أن السماح بإنشاء حزب إسلامي يعني السماح بإنشاء حزب مسيحي؟ ولم لا؟ وحجة الوزير في عدم السماح بذلك أن إنشاء أحزاب إسلامية وأخرى مسيحية يعني إثارة الفرقة الطائفية منطلقا من عقيدة الحزب الواحد الأحد، متناسيا أن للمسيحيين - دون غيرهم - في مصر مؤسستهم الأقوى من أي حزب، وهي الكنيسة بما لها من صلاحيات صارمة في جميع المجالات، فإنشاء حزب لهم لا يعنيهم كثيرا، وهو ليس إلا تحصيل حاصل من درجة اقل في حال قيامه، متجاهلا في الوقت نفسه فلسفة إنشاء الأحزاب نفسها - في الفكر الديموقراطي الذي اصبح الجميع يدعيه - وأنها تقوم على فلسفة الاعتراف بواقع التعددية والممارسة السلمية مختلفة تماما عن الفلسفة الإستئصالية للحزب الواحد الذي أخذ يتوارى عن الساحة السياسية في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفيتي

لكنها العقلية العلمانية التي تتكشف من رماد بيئة استئصالية لازالت تداعب عقول الكثيرين.

ولنرجع إلى تعليق الدكتور محمد عصفور إذ يقول موجها كلامه إلى العلمانيين: (أن يسائلوا أنفسهم: كيف تسيطر المعتقدات بل والأساطير الدينية إلى هذا الحد على مصائر الشعوب؟ وعليهم أن يستمعوا إلى ما يقوله القس الأمريكي"بريان هيهيو"من أن الكنائس الأمريكية مؤسسات رئيسية، وأنها وإن لم تكن أحزابا سياسية إلا أن دورها واضح في تشكيل وتعبئة جمهور من الأنصار الملتزمين بمنهجها في المسائل السياسية الخارجية) .

ويقول الدكتور محمد عصفور في تعليقه على رسالة الدكتور يوسف الحسن: (على الرغم من أن مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة مبدأ دستوري مقرر بالتعديل الدستوري الأمريكي الأول إلا أن للكنيسة والدين هيمنتهما على الحياة الأمريكية في شتى مناحيها، وارتكازا على هذا الواقع أعلنت الحركة المسيحية الأصولية عن أهدافها السياسية بصراحة شديدة، ولذلك قال قادتها:(إن حركتهم تعني الاستيلاء على الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسساتها) .

وقال أحد زعمائها: (نحن ثوريون، نعمل على قلب التركيبة الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية.. نحن نتحدث عن مسحنة الولايات المتحدة الأمريكية) ولهذا السبب فإنه - وإن بدا أن السلطة السياسية يتقاسمها الحزبان الديموقراطي والجمهوري إلا أن الحركة الأصولية المسيحية والمسيحية السياسية عامة تكون القوة السياسية الغالبة، ليس فقط من خلال التحالف مع اليمين الرجعي في الحزب الجمهوري -!! - وإنما كذلك من خلال التحكم في العملية الانتخابية والتأثير الشديد في ملايين الناخبين الذي تجندهم الحركة لمؤازرة هذا المرشح للرياسة أو ذاك، ولم يكن من المبالغة أن تعتبر الحركة المسيحية الأصولية:"أهم ظاهرة سياسية في القرن العشرين"، وأن يتوقع لها اللاهوتي الإنجليزي"جيمس بار"أن تستمر خمسمائة عام على الأقل"ولم تبق هذه الظاهرة الدينية السياسية مقصورة أو محصورة في نطاق ما تبشر به هذه الحركة، وإنما هي امتدت إلى انتخابات الرياسة الأمريكية بل وانتخابات الكونجرس الأمريكي، فقد لوحظ - وبحق - أن الشعب الأمريكي انتخب في العقد الأخير رئيسين يؤمنان بأهمية الدين في المجتمع الأمريكي وبحلول عام 1980 كان ثلاثة من المرشحين لرياسة الجمهورية يرفعون نفس الشعار، كما كان واضحا أن مسألة الدين قد احتلت الصدارة في مناقشات الحملات لعام 1984 سواء على شكل التغطية الصحفية، أو التعليقات الإعلامية، أو في تأثير ذلك في المجتمع نفسه، وبينما أعلن كارتر عام 1976 عن شعاره وإيمانه بعقيدة الولادة الثانية كمسيحي Bron Aqain عبر ريجان في 23 أغسطس 1984 في خطاب له بمدينة كنساس عن إيمانه بدور الدين في المجتمع الأمريكي رغم تأكيد التعديل الدستوري الأول لمبدأ الفصل بين الدين والسياسة أو الفصل بين الكنيسة والدولة، ومما جاء في خطابه قوله:"يلعب الدين دورا حاسما في الحياة السياسية لأمتنا) [أنظر سلسلة مقالات للدكتور محمد عصفور بجريدة الوفد حوالي 17\7\1988] .

وأخيرا ليقل لنا العلمانيون في بلادنا: هل يسمحون بوضع شعار ديني على ورق البنكنوت كما هو الحال في أوراق البنكنوت الأمريكية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت