ولكن الكنيسة الإنجليكانية - الكنيسة العليا في انجلترا - لم يتفق رأيها في قضية القربان: أن يكون التحول فيه حقيقيا أو مجازيا؟ وأصبحت مسألة خلافية بين اليمين والوسط واليسار، وخيف فيها من انشقاق عام. عندئذ أمرت الحكومة البريطانية بتأليف مجمع من الأساقفة تحت رياسة أسقف كانتربري لحل المشكلة، فانعقد المجمع زمنا طويلا ولم يوفق إلى حل. وأخيرا ألحت الحكومة على هؤلاء الأساقفة بأن يبتوا في القضية، فحكموا بالأكثرية - مع مخالفة ستة من المطارنة - بأن الخبز والخمر يستحيلان في قداس الكاهن إلى جسد المسيح ودمه، وعليه يجب عبادتهما والسجود لهما ووضعهما في أعلى المذبح لا في كوة حائط الكنيسة، يعني انهم رجعوا في ذلك إلى العقيدة الكاثوليكية.
هذا ولما كان القانون الأساسي لبريطانيا يوجب القول بالفصل في جميع القضايا الدينية لمجلس اللوردات ولمجلس العموم، عملا بكتاب الصلاة الذي هو مرجع الأمة الإنجليزية أحيل حكم المطارنة هذا إلى مجلس اللوردات، وكانت للمناقشات فيه جلسات متعددة بلغت من اهتمام الملأ ما لم تبلغه المناقشات في أية مسألة.. وأخيرا؛ أيد مجلس اللوردات بالأكثرية قرار مجمع الأساقفة، فلما جاءت القضية إلى مجلس العموم نقضوا قرار مجلس اللوردات وحكم مجمع الأساقفة، وقرروا أن الخبز والخمر لا يستحيلان بداهة إلى جسد السيد المسيح ودمه، واستندوا في ذلك إلى كتاب الصلاة المشار إليه سابقا، وعلى إثر هذا القرار من مجلس العموم استعفى رئيس أساقفة كنتربري من منصبه!!).
ويعلق الأمير شكيب ارسلان فيقول: (أين فصل الدين عن السياسة وأنت ترى أن مسالة دينية بحتة تطرح في مجلس اللوردات ومجلس النواب ويفصلان فيها، فإن لم تكن هاته المسألة دينية فما الديني إذن؟ وإن لم يكن مجلسا الشيوخ والنواب مختصين بالسياسة فما المجالس التي تختص بالسياسة بعدهما؟ فليتأمل القارئ المنصف مدى التضليل الذي يقوم به المضللون من المسلمين.. إما جهلا وتعاميا عن الحقيقة وإما خدمة للاستعمار الأوربي الذي ليس له غرض أعز عليه من أن يأتي على بنيان الإسلام من القواعد) [أنظر كتاب"لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم": للأمير شكيب أرسلان / ط 1965 / الهامش ص 97 - 101] .
ولنستمع إلى شهادة الشاعر والفيلسوف الإنجليزي الشهير ت. س. إليوت في كتابه"ملاحظات نحو تعريف الثقافة"إذ يقرر أن الثقافة الأوربية العلمانية لم تقتلع المسيحية من جذورها ولكنها تعايشت معها وليس ذلك راجعا إلى مصالحة بين المسيحية والعلمانية ولكنه راجع إلى تملك الدين لناصية الثقافة في أي شعب إذ أن (تكوين دين هو تكوين ثقافة أيضا) أما عن أوربا المسيحية بالذات فإنه يقول: (إن سنن المسيحية المشترك هو الذي جعل أوربا ما هي) ، وإذ يقول: (حين ندافع عن ديننا فلا بد لنا في معظم الأمر من أن نكون مدافعين عن ثقافتنا في الوقت نفسه والعكس بالعكس) ، ويقول: (في المسيحية نمت فنونا وفي المسيحية تأصلت قوانين أوربا، وليس لتفكيرنا كله معنى أو دلالة خارج الإطار المسيحي) ، (وقد لا يؤمن فرد أوربي بأن الإيمان المسيحي حق، ولكن ما يقوله ويصنعه ويأتيه كله من تراثه في الثقافة المسيحية ويعتمد في معناه على تلك الثقافة) ، ويقول: (نحن مدينون لتراثنا المسيحي بأشياء كثيرة إلى جانب الإيمان المسيحي، فمن خلال ذلك التراث تنبع فنوننا، ومن خلاله نلقي مفهومنا للقانون الروماني الذي فعل ما فعل في تشكيل العالم الغربي، ومن خلاله نلقى مفاهيمنا عن الأخلاق الخاصة والعامة) [أنظر كتابه"ملاحظات نحو تعريف الثقافة": ص 80، 145، 146] .
ومن هنا يمكننا القول بأن أوربا مسيحية حتى في علمانيتها.
وفي هذا المعنى يقول الدكتور محمد عصفور: (إن عديدين من الفقهاء لا يترددون في أن يضفوا على الديموقراطية نفسها الطابع الديني، فمنهم من ردها إلى أصول مسيحية، ومنهم من اعتبر الديموقراطية العلمانية ذات طبيعة دينية، أو متعصبة دينيا حتى إن زعمت الفصل بين الدين والدولة) [جريدة الوفد: في 17\ 7\1987] .
وكأنه يشير في هذا إلى القاعدة العلمانية المأخوذة من الكتاب المقدس: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وكأن العلمانية هي الأقرب إلى المسيحية من الكنيسة عندما كانت الكنيسة تمارس السلطة السياسية انحرافا منها وشهوة دنيوية ، وكأن العلمانية في بلادنا لا تصادم الإسلام فحسب ولكنها أحد أوجه النشاط التبشيري التابع للكنيسة، ومن ثم كان لابد للعلمانية من أن تبدي الاحترام إلى حد الانحناء أمام الكنيسة والفاتيكان على الخصوص.
أما في الولايات المتحدة فقد أوضح الدكتور يوسف الحسن الدبلوماسي بدولة الإمارات أن الدين يهيمن على أخطر القرارات السياسية والدولية وذلك في رسالته للدكتوراة بعنوان"الاتجاهات الصهيونية في الحركة الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة"، التي قدمها لكلية الاقتصاد والعلوم السياسة بجامعة القاهرة بإشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم درويش ومشاركة الأستاذ الدكتور كمال أبو المجد والدكتور محمد عصفور وقد أجيزت الرسالة بامتياز ومرتبة الشرف مع تبادل الرسالة مع الجامعات الأجنبية.
وتبين الرسالة أن أخطر معتقدات هذه المسيحية الصهيونية تلك النبوءة التوراتية عن عودة اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولتهم وملكهم فيها، وترتبط هذه النبوءة بشطر آخر يربط بين إقامة دولة إسرائيل وبين التبشير بعودة المسيح ليحكم باسم النصرانية ألف عام قبل أن تقوم القيامة. كذلك ترتبط بنبوءة لاهوتية عن قرب نهاية العالم حينما تغزو جيوش"السوفييت"وإيران والعرب والأفارقة والصين!! دولة إسرائيل.. عندئذ يعود المسيح إلى الأرض بجيش من القديسين لمعاقبة غير المؤمنين وتحطيمهم في معركة تقع بسهل المجدل بفلسطين.
ولقد كسبت الصهيونية اليهودية الكثير من وراء سيطرة هذه النبوءات على عقول الساسة الأمريكيين والإنجليز والبروتسانت والرؤساء الأمريكان: ويلسون، وروزفلت، وكارتر، وريجان، والرؤساء الإنجليز: بالمرستون وبلفور وتشرشل وغيرهم - هكذا قبل أن يظهر على المسرح"محافظون جدد"ولا يحزنون، كما يحاول بعضهم أن يقزم القضية ويحصرها في أمثال بوش، ورامسفيلد، وولفوفتز وبيرد وأمثالهم.
وتستخدم الحركة الأصولية الصهيونية المسيحية نفس الأساليب والوسائل التي تستخدمها المنظمات والمؤسسات غير الدينية للتأثير في السياسة العامة، وقد ملكت في العقود الأخير وأدارت احدث أدوات الاتصال الجماهيري من محطات مسموعة ومرئية، وصارت لها مؤسساتها ولجانها وقنواتها،وقدرت ثرواتها بالمليارات، وبلغ مجموع ما قدمه الأمريكيون من تبرعات ومساهمات لهذه الكنائس في عام واحد هو 1982 حوالي واحد وستين مليارا من الدولارات. وقدرت نسبة الأمريكيين المستمعين والمشاهدين لبرامجها عام 1980 بحوالي 47% من مجمل السكان.