حاربوا هذا الدين بكل وسيلة أتيحت لهم، وعلى رأس هذه الوسائل القوة العسكرية التي احتلوا بها بعض بلدان المسلمين، وهددوا بها بعضها الآخر، متذرعين بحقوق الإنسان التي تحوي موادها حرية الاعتقاد الشاملة للخروج من دين إلى دين آخر، سواء كان الخارج فردا أو جماعة.
ومما لا شك فيه أن إخراج المسلمين من دينهم هو الهدف الأساسي عند اليهود والصليبيين والوثنيين، ولم نر هجوما شنوه في الماضي، ويشنونه في الحاضر، وسيشنونه في المستقبل، على أي دين وجد في الأرض مثل هجومهم على دين الإسلام، فهو هدفهم الرئيس من حملاتهم الظالمة اليوم وقبل اليوم وبعد اليوم، كما قال تعالى:
?وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ? [البقرة (120) ]
وقال تعالى:
?وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? [البقرة (217) البقرة]
ولقد تدخل أعداء الله في كل شأن من شئون هذا الدين، وبخاصة في أصول ديننا وشريعتنا، وهاهي مؤسساتهم التي تدعمها الدول الغربية، تلح على الأمم المتحدة - التي تسيرها الدولة المعتدية على أمتنا - لحماية المرتدين عن الإسلام مما تسميه اضطهادا - هذا مع العلم أن كثيرا من المرتدين لا يقام عليهم حكم الشرع، في غالب حكومات الشعوب الإسلامية:
"هيئة تنصيرية تطالب بحرية الردة"
وجهت منظمة تنصيرية إنجليزية نداءً للأمم المتحدة يوم الأربعاء 29 يوليو؛ كي تتصدى لاضطهاد المرتدين عن الدين في البلدان الإسلامية على حد زعمهم.
وجاء ذلك في الوقت الذي أشادت فيه جماعات حقوقية بما ورد في تقرير التنمية البشرية لعام 2004 الصادر عن الأمم المتحدة من التأكيد على أن"الأفراد يجب أن يكونوا أحرارًا لا في انتقاد الدين الذي ولدوا عليه فحسب، بل وفي التحول عنه أيضًا إلى دين آخر أو البقاء بلا دين".
وجاء نداء الأربعاء طبقًا لموقع الإسلام اليوم في شكل التماس أعدته جماعة نصرانية بريطانية اسمها صندوق برنابا"Barnaba Fund"دعت فيه مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والحكومات والهيئات الدولية، إلى رفع أصواتها وإثارة هذه القضية"كأمر ملح"مع التجمعات الإسلامية.
وقال مدير الدعاية بالصندوق بول كوك الذي رحب بما ورد في تقرير التنمية البشرية باعتباره"تأكيدًا مشجعًا جدًّا"على"حق الردة"إن جهود جماعته من أجل الدخول في حوار مع الهيئات الإسلامية بشأن هذا الأمر قوبلت بالصمت..
يذكر أن حد الردة غير مطبق في معظم الدول الإسلامية خاصة أن أحكام الشريعة الإسلامية كلها معطلة.""
[مجلة المجتمع، عدد: 1613، تاريخ 7/8/2004م المجتمع الإسلامي]
أقول: إن هذا الهجوم الشديد وهذه الحملات الظالمة التي ما فتئ أعداء الإسلام يشنونها عليه، جعلت بعض العلماء الأفاضل الغيورين وبعض الكتاب في هذا العصر، يتحفزون لرد الشبهات التي أُطْلِقت سهامها إلى صميم هذا الدين واتهام نصوصه بالتعارض والتناقض، ومن ذلك ما زعموه من تعارض بين قوله تعالى: ?لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ? [البقرة (256) ] وما ورد من النصوص في قتل المرتد.
ومن هؤلاء العلماء والكتاب من نفى قتل المرتد مطلقا، ومنهم من نفى قتل بعض المرتدين دون بعض.
ألسنا نرى ونسمع بعض المرتدين عن الإسلام يجاهرون في وسائل الإعلام كلها: الفضائيات والإذاعات، والصحف والمجلات، والشبكة العالمية للمعلومات"الإنترنت"وينصبون أنفسهم مفتين يهاجمون ما علم من الدين بالضرورة؟
أما تعليل إسقاط عقوبة المرتد بأنه"لا يقصد بها العبث بشعور أو شعائر المسلمين!".
فنقول: إن مناط عقوبة الردة هو وقوعها مستوفية شروطها، فإذا خرج من دخل في الإسلام منه، فقد استحق هذه العقوبة الشرعية، ولسنا مكلفين بالتنقيب عن قصده من ردته...
ثم نقول كيف سيكون شعور أبوي المرتد عن الإسلام، وشعور إخوانه وأبنائه وزوجه، وأسرته وجيرانه وأصدقائه، وشعور كل مسلم عَلِم بخروج عضو من أعضاء أمته من عقيدتها ودينها؟ هل سيقيمون له احتفالا يحتفون بردته؟
وإذا لم تكن الردة عن الإسلام استهزاء بدين الله، فما هو الاستهزاء؟ هل الإسلام ملعب كرة أو صالة عرض سينمائي، يحق لكل إنسان أن يحمل على صدره بطاقة للدخول فيهما والخروج منهما متى شاء؟
ثم نقول مرة أخرى: إننا لم نر مرتدا عن الإسلام، خرج منه بهدوء كما قال الكاتب، مع استثناء الجهال الذين يضلهم المنصرون في أدغال أفريقيا أو غابات بورنيو، وحتى هؤلاء إذا ارتد منهم كبير الأسرة أو كبير القبيلة لحق به أتباعه.
بل إن الذين يعلنون ردتهم وكفرهم بالإسلام، يصبحون مع ردتهم دعاةً إلى ما انتقلوا إليه من دين محرف، أو منحازين إلى مؤسساته مستهزئين بالإسلام وأهله وشعائره وعلمائه، متخذين كل وسيلة متاحة لنشر أفكارهم وهجومهم على هذا الدين.
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
تغيير مناهجنا الدراسية إلى أين؟
د.سليمان بن حمد العودة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره...
بوأ الله لإبراهيم مكان البيت، وأراده الله قلعة للتوحيد"ألا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا" (الحج: من الآية26) ، واستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث في أمة العرب رسولًا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
وكانت بلاد العرب وأرضُ الحرمين جزيرة الإسلام، منها شعّ نوره ومن بطاحها بُعث نبيه _صلى الله عليه وسلم_، ومنها انطلقت قوافل المجاهدين يفتحون البلاد ويدعون العباد إلى الحق، وكان الإسلام قدرَ الجزيرة، وكان فضل الله عظيمًا على أهلها إذ جعلهم حملة الإسلام الأول، وأهلَ السابقة والفضل"بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الحجرات: من الآية17) ،"وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ" (الأعراف: من الآية43) .
وظلت الجزيرة - عبر القرون - تحظى بالأهمية والرعاية، فهي مهوى الأفئدة وقبلة المسلمين، ومنها ابتدأ تاريخ الإسلام، وفيها أعظمُ مقدسات المسلمين، ولا غرو أن تحتفظ بخاصيتها وتميزها الحضاري والقيمي وإن مرّت بمراحل ضعف أو تهميش في جوانبها السياسية والمادية.
ولا تزال بلاد الحرمين تحتفظ بمكانتها ولها سَمْتُها وخصائصها المميزة عن غيرها، ولكن هذا التميُّز لم يكن مرضيًا لأعداء الملة والدين في قديم الزمان وحديثه، وكانت حملات المشركين والمنافقين في مواجهاتها الأولى مع خير القرون شرسة حادة، استُخدمت فيها كل أنواع السلاح، وشعار المشركين قولهم:"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" (صّ:5) ، ومنهج القوم"أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ" (صّ: من الآية6) ، وشعار المنافقين"لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" (المنافقون: من الآية8) ، ومنهجهم في التضييق"يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا" (المنافقون: من الآية7) .