فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 719

من بين المسلمات في النظام الديمقراطي الالتزام بمبادئ الحزب وقراراته التي اتخذت بالأغلبية, وعدم الخروج عن الطاعة للمحافظة على وحدة الصف مهما كانت تلك المبادئ أو القرارات مخالفة للشرع أو حتى القناعة الشخصية, وبذلك يقع الناخب أو العضو في الحرج بين أن يعصي الله عزَّ وجلَّ إن أطاع سادة الحزب وكبراءه.

وقد قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه: (سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السُّنة ويعملون بالبدعة, ويؤخرون الصلاة عن وقتها) ، فقلت: يارسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: (لا طاعة لمن عصى الله) [خرَّجه أحمد وابن ماجه والطبراني وصححه أحمد شاكر رحمه الله] .

وبين أن يتعرض للحرب من قادة الحزب وكوادره العليا ماديًا وإعلاميًا إن خالفهم في ذلك, خاصةً إن ارتبط الرفض بمحاولة تغيير ما يعتقد عدم صحته شرعيًا أو منطقيًا, وتكوين جبهة معارضة داخل الحزب أو الجماعة, وغالبًا ما ينتهي به الأمر إما في السجن وإما في القبر, فإن كان العضو ذا شوكة ووراءه من يدعمه ويحرِّضه من أتباع الزعيم أو الحكومة فغالبًا ما ينشق عن الحزب الذي ينتمي إليه ويكوِّن حزبًا جديدًا وربما يأخذ نفس الاسم مع إضافة بسيطة حتى يتميز عن الحزب الذي انشق عنه.

ه) قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق:

لعل من أخطر مظاهر التنافس الحزبي والأثر المدمّر للديمقراطية الزخرفية - خصوصًا - هو وقوع مصادمات مسلحة بين أنصار الأحزاب المتنافسة, وأحيانًا سقوط قتلى وجرحى من الطرفين, وهذا من أبشع ما يمكن أن يقع فيه المسلم دفاعًا عن باطلٍ - أو حتى ما يظنه حقًا - تجاه أخيه المسلم, لأن الانتماء لحزب منافس أو العمل لحسابه لا يبيح دم المسلم, إلا إذا انتمى إلي حزب كافر عندنا من الله فيه برهان مع قيام الحجة ووضوح المحجة وانتفاء عوارض الجهل والتأويل والإكراه وغير ذلك مما هو معروف مقرر في مواضعه عند العلماء, أو فعل ما يستوجب عليه القتل طبقًا لأحكام الشريعة.

قال الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} .

وقال صلى الله عليه وسلم: (من حمل علينا السلاح فليس منا) [رواه البخاري] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لكبَّهم الله جميعًا على وجوههم في النّار) [رواه الطبراني في الصغير] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ بالسيوف) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا) .

وإذا استطردنا في ذكر الآيات والأحاديث التي تحذر من ذلك فسيخرج الموضوع عن إطاره, ويكفي أن المقتول يأتي يوم القيامة حاملًا رأسه في يده يقطر دمًا, وهو يجرُّ قاتله فيقول: (يارب! إن هذا قتلني) ، فيقول الله له: (لم قتلته؟) ، فيقول: (قتلته لتكون العزة لفلان) ، فيقول: (إنها ليست لفلان) ، فيبوء بإثمه [السنن الكبرى] .

يقول الله جلّ وعلا: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} .

ومعنى الآية: من كان يريد الشرف والمنعة فيجب عليه أن يكتسب العزّة من الله تعالى, فإنها له, ولا تُنال منه إلا بطاعته.

ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (كل عزٍّ ليس بالله فهو ذلٌ) .

سئل أحد الأئمة: من هم سفلة السفلة؟ قال: (الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم) !

فهذا المسكين الذي ظلم نفسه وأوردها المهالك وباع دينه وآخرته بدنيا غيره من الساسة والمسئولين, وسفك من أجلهم الدَّم الحرام, سيأتي يوم القيامة مفلسًا, فلم يكف إفلاسه في الدنيا وشقاؤه وكده فيها, حتى أضاف إليه إفلاسًا في الآخرة.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟) ، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إنَّ المفلس من أمتي من يأتي بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ, ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, فيُعْطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإنْ فنيت حسناته قبل أنْ يقضي ما عليه, أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) [رواه مسلم] .

وفي الوقت الذي يعاني فيه شظف العيش ويفتقد أدنى مقومات الحياة الكريمة فإنَّ قادة الحزب وكوادره العليا يرفلون في النعيم ويتمتعون بزهرة الحياة الدنيا من ملبس ومأكل ومسكن ومركب وأزواج مستفيدين من التبرعات والمساعدات التي يجمعونها باسمه هو والكادحين مثله.

[6] تيسير الكريم الرحمن للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، ص 62.

[7] في ظلال القرآن: 1/471.

مَنْ يتبنَّى للأمَّةِ مشروعَاتِها؟

أحمد بن عبد المحسن العساف

تتميزُ أمةُ الإسلامِ بتعدادِها الضخمِ وكثرةِ الشبَّان والأطفالِ خلافًا للأممِ الكافرةِ الهرمة؛ كما تختصُ الأمةُ المحمدية بتعدُّدِ مجالاتِ خدمةِ الشريعةِ الإسلاميةِ وكثرةِ ميادينِ البذل والعطاء والجهادِ إضافةً إلى رغبةِ السوادِ الأعظمِ من جماهيرِ المسلمين تقديمَ شيءٍ لصالحِ دينهم ومجتمعاتهم، وهي رغبةٌ ملحةٌ لدى الكثيرين أيًَّا كان مستوى تدينِهم لعظمِ أثرِ العاطفةِ الدينيةِ على أغلبِ المسلمين ، وما أكثرَ ما يترددُ سؤالِ الملهوفين بصيغٍ مختلفةٍ عن كيفيةِ خدمةِ هذا الدين . وإنَّ هذا الشلالَ المتدفقَ من الطاقاتِ والقدراتِ لجديرٌ بالاستغلال ضمنَ مشاريعِ الأمةِ الإسلامية حتى لا يضيعَ هباءً أو نهبَ قُطَّاعِ الطرقِ من أهلِ الشبهِ والشهوات.

لقدْ قامَ الإمامُ العبقري البخاري بخدمةٍ عظمى حينَ جمعَ الصحيحَ من حديثَ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم-بعدَ كلمةٍ سمعها من إسحاق بن راهويه؛ وحملَ الشهيدُ نور الدين رايةَ الدفاعِ عن بلدان المسلمين حين دهمها المدُّ الصليبي الحاقد دون أنْ يلتفتَ لكثرةِ الخونة والمرجفين؛ وجمعَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ الجهادَ من أطرافه بالعلمِ والعمل والصبر والاحتساب حتى غدتْ مؤلفاتُه ومواقفه موردًا عذبًا ومنهلًا مزدحمًا من طلابِ العلمِ والعمل.

وفي هذه العصورِ المتأخرة نهضَ الإمامُ محمد بن عبد الوهاب بدعوةٍ سلفيةٍ إصلاحيةٍ بعدما رأى الضلالاتِ والشركياتِ والبدعَ في العالمِ الإسلامي فكانتْ دعوتُه نبراسًا لغيرها وصارتْ شوكةً في حلوقِ الأعداءِ من الكافرين وأتباعهم المنافقين ، كما استفرغَ الإمامُ الألباني جهدَه لتنقيةِ السنَّة النبويةِ المشرَّفةِ مما علقَ بها من الأخبارِ الضعيفة والموضوعة في مشروعٍ علمي حديثي ضخم ، وللإمامِ عبدِ العزيز بنِ بازٍ أثرٌ لا ينكرُ في استنقاذِ الفتوى من التعصب المذهبي وردِّها للكتابِ والسنةِ وإجماعِ الأمة .

وإنَّ أمةً أنجبتْ هؤلاءِ الأفذاذِ وغيرهم-رحمة الله ورضوانه عليهم-لقادرةٌ على إنجابِ آخرين يحملونَ على عواتقهم همَّ الأمةِ الإسلاميةِ ومشاريعها في مختلف الجوانبِ والتخصصات والاهتمامات؛ وَكمْ تركَ الأولُ للآخرِ إذا صدقتْ العزائمُ واستيقظتْ الهمم؛ وهذه المشروعاتُ تحتاجُ عونَ وبذلَ شرائحِ الأمةِ كلِّها ؛ فمنها على سبيلِ المثالِ لا الحصر:

• مشروع رحمة الشعوب والعدل معها والأمانة في حمل مسؤولياتها.

• مشروع التطبيق العملي الكامل للشريعة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت