أضف إلى ذلك قربه من جزيرة العرب بكل خصائصها الثقافية، ومكنوناتها الاقتصادية، علاوة إلى ما فيه من جزر عديدة ذات أهمية استراتيجية من الناحية العسكرية والأمنية من نحو جزيرتي حنيش، ودهلك (3) .
في الآونة الأخيرة، وبعد أحداث نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001م، واستهداف سفارتي أمريكا عام1998م في كل من كينيا وتنزانيا؛ برزت أهمية منطقة القرن الأفريقي بشكل أكبر في حرب أمريكا المعلنة على الإرهاب الدولي، حيث زارها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، والجنرال تومي فرانكس، والجنرال جون ساتلر قائد القوات الأمريكية في القرن الأفريقي، ويرابط على أرضها أكثر من 1800 جندي أمريكي، كما ترسو على واحد من موانئها - وهو ميناء جيبوتي - حاملة الطائرات (مونت وايتني) ، وتجوب سواحلها بعض السفن الموكلة بمراقبة كل سواحل القرن الأفريقي.
الوجود الإسلامي في القرن الأفريقي:
ارتبطت جزيرة العرب مهد الإسلام، ومنبع رسالته، ومولد نبيه؛ بالقرن الأفريقي منذ وقت مبكر من فترات التاريخ، حيث حكم أبرهة الحبشي اليمن، وسعى في خراب الكعبة، وكما في الحديث أن هدم الكعبة سيكون على يد رجل من الحبشة، ومن قبل ذلك هاجرت قبائل حبشات العربية الجنوبية إلى المنطقة، وأنشأت دولة الحبشة، ناقلة معها ثقافتها وحضارتها، كان ذلك في"عام 1000 قبل الميلاد، أو عام 600 قبل الميلاد (4) .".
ثم لاحقًا توثقت صلاة قريش الاقتصادية بالمنطقة، حيث كانت تردها قوافلهم التجارية من قبل البعثة قاصدة بلاد الحبشة كما يحكي ذلك ابن الجوزي (5) .
وبعد البعثة النبوية أمها المستضعفون من الصحابة فرارًا من أذى قريش إلى ملك عادل لا يظلم عنده أحد، ومنذ ذلك الحين والوجود الإسلامي في القرن الأفريقي يتنامى ويتعاظم شأنه، إلى أن صارت له شوكة وغلبة؛ لكن بالمقابل ازدادت حدة التدافع بينه وبين خصومه، حيث تنادت كل قوى الشر المتربصة به للتحالف ضده، فتدخلت القوى الأوروبية بأساطيلها وجيوشها للحيلولة دون تفرده بالهيمنة على القرن الأفريقي، والتحكم في أهميته الاستراتيجية، وأقامت فيما بينها تحالفًا ضم الأقلية الدينية في الحبشة ممثلة وقتها في اثنية الأمهرا ذات الأغلبية النصرانية، والمحاصرة في نطاق ضيق من بلاد الحبشة، وذلك حين كتبت (هيلينا) ملكة الحبشة حينها إلى عمانويل ملك البرتغال عام 1510م تشكو إليه تخوفها من مصر، وممالك الطراز الإسلامي في القرن الإفريقي، كما أن الحبشة في عهد (لبنا دنقل) وقعت وثيقة اتفاق عام 1520 مع القوى الأوروبية المتآمرة على الوجود الإسلامي بصفة عامة نصت على أن"يحتفظ ملك فرنسا بقوة عسكرية في سواكن، ويحتل ملك أسبانيا زيلع، ويتخذ ملك البرتغال من مصوع قاعدة لقواته (6) ..."
وفيما بعد سقوط الخلافة، وزحف الاستعمار الغربي؛ شهد القرن الأفريقي استيطانًا استعماريًا، حيث احتل الإيطاليون الصومال، وإرتريا، والفرنسيون جيبوتي، والإنجليز كينيا والسودان، لكن ووجهوا بحركات مقاومة إسلامية، إذ وقف الإمام محمد أحمد المهدي قبال الإنجليز في السودان، وناوش أتباعه الإيطاليين في إرتريا، وكذلك السيد محمد عبد الله حسن في الصومال وهو تلميذ السيد محمد صالح مؤسس الطريقة الصالحية في مكة المكرمة.
وعلى أساس من هذا الرصيد التاريخي من النضال والمجاهدة ما زالت الحركة الإسلامية في القرن الأفريقي تنشط بمختلف مدارسها العلمية والحركية، وهي اليوم جزء من معادلة الصراع والتحالفات الجارية في منطقة القرن الأفريقي.
وبعد تصفية الوجود الاستعماري، وتحرر دول القرن الأفريقي من قيوده؛ دخلت المنطقة في إشكاليات داخلية ذات أبعاد متعددة عرقية، وثقافية، وسياسية، ونتيجة للتخلف الاقتصادي، والفوارق الثقافية بين السكان؛ بالإضافة للسياسات الاستعمارية التي تأسست على منهجية (فرق تسد) بتفضيل قوم على قوم، وبإثارة النعرات العرقية والقبلية، والإلحاقات القسرية الاستعمارية التي شطرت القبيلة الواحدة إلى شطرين أو أكثر، وضمت فريقًا منها إلى كيان فريق مغاير من قوم آخرين على غير رغبة منها، وتشاور معها؛ شهدت دول القرن الأفريقي كغيرها من دول أفريقيا بشكل عام حالة من التوترات الحادة، والاستقطابات المتباينة، الأمر الذي فجر فيها ثورات تحررية، وأخرى تظلمية، مما أقحمها في شباك تحالفات أيدلوجية مع هذا المعسكر أو ذاك خلال حقبة الحرب الباردة، وأشعل فيما بين شعوبها حروبًا قبلية دامية حرمتها حتى هذه اللحظة نعمة الأمن والاستقرار.
1-الحيمي الحسن بن أحمد: سيرة الحبشة ص 93
2-انظر: بدر الدين حسين الشافعي: القرن الأفريقي.. وجبة أمريكية على الطاولة العراقية. موقع إسلام أون لاين، تاريخ 11/1/2003م.
3-بموجب قرار محكمة لاهاي الدولية حنيش هي جزيرة يمنية، رفع عليها اليمنيون علمهم في 31 / 10/ 1998م بعد أن أخرجوا منها بمباغتة عسكرية من إلإرتريين، أما دهلك فهي جزيرة إرترية، وفيها يقول ياقوت الحموي: دهلك... اسم أعجمي معرب، وهي جزيرة في بحر اليمن، وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة، بلدة ضيقة حرجة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها"معجم البلدان ج 2 ص 492."
4-انظر: أ. بول: تاريخ قبائل البجة بشرق السودان ص 32.
5-انظر: المنتظم ج 2 ص 374.
6-رجب عبد الحليم: العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة في العصور الوسطى (56) سواكن ميناء في شرق السودان، وزيلع ميناء في الصومال، ومصوع ميناء في إرتريا وكلها موانئ إسلامية.
http://www.almoslim.net:المصدر
الحجاب في إسبانيا صراع الهوية
ياسر مجدي
19 جمادى الأولى 1428هـ الموافق له 4- 6- 2007م
يبدو أن حمى حظر الحجاب الإسلامي في المجتمع الغربي لم تصب بريطانيا وألمانيا أو دولًا أخرى وحدها، بل إن هذه الحمى امتدت لتصيب المجتمع الإسباني الذي يعتبره البعض أكثر اعتدلًا مقارنة بغيره من المجتمعات الغربية كالمجتمع البريطاني مثلًا، وبدا الحجاب الإسلامي يواجه معركة شرسة وضروسًا داخل إسبانيا، وخاصة ممن يسعون لحظر الحجاب الإسلامي داخل المدارس والجامعات.
وتحت عنوان"لا للحجاب، أوقفوا عدم المساواة"ذكر موقع"لوس الكوريس. إنفو"مقالًا لماريا أنخليس جوميز كريسبو بدأته بسؤال استهلالي على النحو التالي"هل من الواجب أن تظل المرأة في الغرب تنادي لحرية المرأة بينما المرأة في المجتمع الإسلامي مازالت تتخفى تحت الحجاب، وخاضعة لسطوة الرجل؟، وهل من الواجب في بلد كإسبانيا أن تغض طرفها عن عدم المساواة المتمثلة في حجاب المرأة، تحت مسمى تحالف الحضارات"؟
من المؤكد أن المرأة في المجتمع الغربي الذي يسوده السفور ترى أن الحجاب الذي يصون المرأة في المجتمع الإسلامي من أعين الذئاب البشرية، وضعاف النفوس ممن في قلوبهم مرض؛ يعتبر نوعًا من عدم المساواة، فهي ترى المساواة في السفور، وجعل المرأة سلعة رخيصة في المجتمع.
وتستكمل الكاتبة المقال قائلة:"خلف الحجاب نجد القهر والذل، خلف الحجاب تزيد عدم المساواة، خلف الحجاب يوجد مجتمع يسيطر عليه الرجل، فالحجاب يكشف تجاوز سطوة الرجل لكل قوانين العنف، وقوانين عدم المساواة، سطوة طالت حتى المثقفات، وصاحبات الشهادات العليا كالطبيبات وغيرهن من حملة المؤهلات العليا."