فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 719

سيقول البعض: إنها السياسة، وأن هدف الرجل هو طمأنة الطبقة العلمانية والجيش، الأمر الذي يمكن قبوله بشكل من الأشكال لو كان سلوكًا فريدًا في سياق مختلف، لكن الممارسات العامة؛ السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية لأردوغان وأصحابه ما زالت تؤكد أننا إزاء قوم آخرين غير أولئك الذين تتلمذوا على يد"الخوجا"نجم الدين أربكان مؤسس الحركة الإسلامية في تركيا، والذي يتهمهم الآن بالعمالة للأمريكان والإسرائيليين، ويعتبر التصويت لهم شكلًا من أشكال الكفر والنفاق.

لا يعني ذلك أننا غير فرحين بفوز أردوغان وحزبه الكبير في الانتخابات، كلا بالطبع فنحن جزء من هذه الأمة التي فرحت باستعادة تركيا لهويتها التي مثّلها أردوغان بصرف النظر عما يقوله ويفعله أقله في وعي الأتراك.

تذكرت هذا التناقض في سياق موقفنا كمنحازين لقضايا الأمة أعني فرحنا بالفوز الكبير لأردوغان تذكرته وأنا أقرأ بعض المواقف الإسرائيلية حيال ما جرى في تركيا، ففي يديعوت أحرونوت الصحيفة الأهم في الدولة العبرية عنون الصحفي ايتمار آيخنر تقريره في اليوم التالي لظهور النتائج بقوله:"في إسرائيل راضون.. ولكن يخشون"، وفيه قال:"نتائج الانتخابات في تركيا استقبلت في إسرائيل بمشاعر مختلطة: فمن جهة هناك رضىً عن انتصار حزب السلطة الذي في عهده ضربت العلاقات الإسرائيلية - التركية أرقامًا قياسية غير مسبوقة (لاحظ غير مسبوقة) ، ومن جهة أخرى في إسرائيل مثلما في كل العالم الغربي ثمة قلق من عملية الأسلمة التي تمر بها تركيا".

بعد ذلك يتحدث التقرير عن بعض تفاصيل العلاقة بين الدولتين في عهد أردوغان بالقول:"إن إجمالي التجارة بين الدولتين قدر بـ10 مليارات دولار."

يفسر المسؤولون الإسرائيليون ذلك بجذور الحزب الإسلامية، وسعيه لنفي تهمة التطرف عن نفسه، حتى إن كل قادة الحزب قد زاروا إسرائيل، وأن سفارة الدولة العبرية تعرف معظم أعضاء البرلمان التابعين للحزب، وهي على علاقة طيبة معهم.

ليس هذا هو كل شيء في سياق إثبات أن الحزب لم يعد إسلاميًا بالفعل، فهناك ابتداءً بحثه عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني التزامه بقرارات الاتحاد وكثير منها ضد العالم العربي والإسلامي، فضلًا عن التزامه بالمعايير الأخلاقية الأوروبية، وقد التزم بالفعل فيما يتعلق بالشذوذ والزنا، كما أن هناك ربطه للاقتصاد التركي بالمنظومة الغربية بالكامل، وما يترتب على ذلك من تداعيات تجعله مرتبطًا بالاستثمارات الأجنبية، وحاجته للالتزام بما تتطلبه من معايير إذا أراد المحافظة على وجودها.

من الناحية الداخلية الخاصة بالحزب بادر أردوغان ولكي يتخلص أكثر من عقد التاريخ إلى ترشيح 250 عنصرًا جديدًا في الانتخابات كثير منهم من العلمانيين واليساريين، أما الذي لا يقل أهمية عن ذلك كله في سياساته الداخلية فيتعلق بإدارته الظهر لناخبيه المتدينين وهم النواة الصلبة من مؤيديه، الذين عولوا عليه في سياق تكريسه لحرية التدين في تركيا تمامًا كما هو حال حرية الكفر، وحرية العهر، وهو الموقف الذي يبرره بالخوف من الصدام مع العسكر الذين كانوا يتربصون على الدوام بكل الممارسات التي يمكن أن تشير إلى تلاعبه بأيديولوجية الدولة.

على أن ذلك وكما قلنا من قبل لن يغير من واقع ترحيبنا بما جرى، لكنه ترحيب عاقل لا يغير لون الأشياء، فهنا ثمة جماهير انحازت إلى هويتها الإسلامية من خلال شخص ما زالت تعتقد أنه يمارس التقية لتمرير مشروعه الذي لم يتخل عنه، أما وجود آخر يرفع الشعار الإسلامي مباشرة (حزب السعادة) فلم يغير في الأمر، لأن قادة العدالة كانوا أكثر إقناعًا بكثير، ونذكر هنا بأن حزب الرفاه الذي كان أردوغان وغول من قادته قد حصد نهاية التسعينيات ربع أصوات الناخبين، ومن الطبيعي أن يحصد وريثه (العدالة والتنمية) ضعف الرقم في ظل تصاعد مد الصحوة الإسلامية، معطوفة على النجاح الواقعي الذي تحقق لاسيما على الاقتصادي، وإذا قيل عن أن ثمة حزبًا أكثر تمثيلًا للإسلام السياسي هو السعادة ومرشده هو أربكان نفسه فإن الرد هو أن هذا الأخير لم يعد مقنعًا بعد أن انضمت الرموز الأكثر شعبية من الإسلاميين للعدالة والتنمية، وأثبتوا نجاحهم.

الجماهير التركية انحازت إلى هويتها تمامًا كما انحازت إلى النزاهة ونظافة اليد، وإذا ما فشلت مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فإن النتيجة ستكون جيدة من حيث إمكانية عودتها إلى فضائها الإسلامي، كما أن تخفيف قبضة العسكر على الوضع الداخلي لاسيما إذا نحج أردوغان في تنصيب رئيس من جماعته سيساهم في تفعيل ملف حرية التدين، وعندها سيكون بوسع خطاب إسلامي أكثر تسييسًا، وأوضح من زاوية المطالبة بالانسجام مع دين الغالبية أن يتقدم أكثر في الساحة السياسية.

من هنا يمكن القول إنه وبصرف النظر عن رأينا فيما فعله ويفعله أردوغان فإن فوزه مؤشر إيجابي، ومحطة مهمة في تاريخ تركيا، لكن دعوة الإسلاميين العرب للاقتداء به (تحديدًا موقفه من الدولة العبرية فضلًا عن المواقف الأخرى) ستفضي إلى خسارة الدنيا والدين، لأن الناس ستنفض من حولهم بسب تخليهم عن ثوابتهم، فيما ستواصل الأنظمة نهجها في التعامل معهم، لأن هذا هو موقفها ممن ينافسونها على السلطة حتى لو كانوا علمانيين أكثر من أتاتورك نفسه!!

http://www.almokhtsar.com:المصدر

القرن الأفريقي تحديده وهويته

د. جلال الدين صالح

3/7/1428هـ

الحلقة الأولى:

القرن الأفريقي هو ذلك القرن الناتئ في شرق القارة الأفريقية، والذي يضم كلًا من الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وإرتريا، ويلحق به السودان، وكينيا، وأوغندا؛ تأثرًا وتأثيرًا.

وهو بهذا التحديد قرن إسلامي الهوية للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه، والتي تتشكل في غالبها من قبائل الأرمو، والجالا في إثيوبيا، والصوماليين في الصومال، وأوجاديين بإثيوبيا، وإينفدي بكينيا، والعفر، والعيساويين في جبوتي وإرتريا، والبجة الموزعين بين إرتريا وشرق السودان، ومن عداهم من القبائل والمجموعات الإسلامية الأخرى من العرقيات المختلفة هنا وهنالك والتي تضم نسبًا متفاوتة من المسلمين كالأمهرا وغيرهم.

هذه القبائل ذاتها هي التي طوقت في العصور الوسطى الهضبة الحبشية بما عرف في تاريخ المنطقة بممالك الطراز الإسلامي، وعزلتها تمامًا عن المنافذ البحرية، إلى حد أن الحيمي الذي زار الحبشة عام 1648م على رأس بعثة يمنية موفدة من إمام اليمن وقتها وصف بلاد الحبشة"بأنها البلاد الجبلية التي تبعد عن البحر الأحمر مسيرة شهر (1) ...".

أهمية القرن الأفريقي:

يكتسب القرن الأفريقي أهميته الاستراتيجية من كون دوله تطل على"المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوربا والولايات المتحدة، كما أنها تُعد ممرًا مهمًا لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي."

ولا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على اعتبارات الموقع فحسب وإنما تتعداها للموارد الطبيعية خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في السودان، وهو ما يعد أحد أسباب سعي واشنطن تحديدًا لإيجاد حل لقضية الجنوب، وكذلك في الصومال (2) "."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت