فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 719

ونسوا أن الله تعالى يملي للكافر الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن الله تعالى مهلك هذه الدولة الكافرة الطاغية أمريكا، كما أهلك الذين من قبلهم، ولهذا حذر من اتخاذ الكافرين أولياء، كما قال تعالى بعدما ذكر إهلاك الأمم في سورة العنكبوت: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} .

وقد فتنتهم هذه الدولة الكافرة الطاغية أمريكا، وهالهم تقلبها في الأرض، ونسوا قوله تعالى {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} ، ونسوا سنة الله تعالى في الطغاة، وأنها سنة لا تتبدل ولا تتغير، كما قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} .

اللهم إن هذه الدولة الكافرة أمريكا قد طغت، وتجبرت، وكفرت بك، وصدت عن سبيلك، وقاتلت أولياءك، وكذبت رسلك، اللهم وإنهم لا يعجزونك، اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم اهزمها، وأرنا فيها مثل أيام الذين خلوا من قبل، اللهم أرنا فيها سنتك في المستكبرين، اللهم أهلكها كما أهلكت عادا وثمود، واقصمها كما قصمت فرعون والنمرود، واجعلها نكالا، وعبرة في الآخرين، اللهم وانصر كل المجاهدين الذين يقاتلونها في سبيلك، في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، وكل بقاع الأرض، اللهم كن معهم لا عليهم، وانصرهم ولاتنصر عليهم، وانصرهم على من بغى عليهم، اللهم واربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وفرج كربهم، وفك أسراهم، وتقبل شهداءهم، وارفع قدرهم، وأعل درجتهم، وانزل عليهم ملائكتك، قاتل أعداءك بهم، واجعلهم من جنودك الموحدين، وأنصارك المخلصين، واجعلنا معهم إنك أنت العزيز الوهاب، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين.

فتنة مسايرة الواقع

[الكاتب: عبد العزيز بن ناصر الجليل]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن من علامة توفيق الله عز وجل لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا؛ فلا تراه إلا حذرا محاسبا لنفسه خائفا من أن يزيغ قلبه، أو تزل قدمه بعد ثبوتها، وهذا دأبه في ليله ونهاره يفر بدينه من الفتن، ويجأر إلى ربه عز وجل في دعائه ومناجاته يسأله الثبات والوفاة على الإسلام والسنة غير مبدل ولا مغير.

وإن خوف المؤمن ليشتد في أزمنة الفتن التي تموج موج البحر والتي يرقق بعضها بعضا، وما إخال زماننا اليوم إلا من هذه الأزمنة العصيبة التي تراكمت فيها الفتن، وتزينت للناس بلبوسها المزخرف الفاتن، ولم ينج منها إلا من ثبته الله عز وجل وعصمه. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

وأجدها فرصة أن أتحدث عن فتنة شديدة تضغط على كثير من الناس فيضعفون أمامها، ألا وهي فتنة مسايرة الواقع وضغط الفساد ومسايرة العادات، ومراعاة رضا الناس وسخطهم، وهي فتنة لا يستهان بها؛ فلقد سقط فيها كثير من الناس وضعفوا عن مقاومتها، والموفق من ثبته الله عز وجل كما قال تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } [إبراهيم: 27] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذه الآية: (تحت هذه الآية كنز عظيم، من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم) (1) .

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال له ربه تبارك وتعالى: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } [الإسراء: 74] فسواه من الناس أحوج إلى التثبيت من ربه تعالى ، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء وسؤال من بيده التثبيت والتوفيق وهو الله سبحانه وتعالى .

ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع والتقليد الأعمى:

إن فتنة مسايرة الواقع والتأثر بما عليه الناس لتشتد حتى تكون سببا في الوقوع في الشرك الموجب للخلود في النار عياذا بالله تعالى ؛ وذلك كما هو الحال في شرك المشركين الأولين من قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم من مشركي العرب، فلقد ذكر لنا القرآن الكريم أنهم كانوا يحتجون على أنبيائهم عليهم السلام عندما واجهوهم بالحق ودعوهم إلى التوحيد وترك الشرك بأنهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وكانوا يتواصون باتباع ما وجدوا عليه آباءهم ويحرض بعضهم بعضا بذلك ويثيرون نعرة الآباء والأجداد بينهم. وسجل الله عز وجل عن قوم نوح عليه الصلاة والسلام قولهم: { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } [المؤمنون: 24] .

وقال تعالى عن قوم هود: { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا... } [الأعراف: 70] ، وقال تبارك وتعالى عن قوم صالح: { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا... } [ هود: 62] ، وقال سبحانه وتعالى عن قوم فرعون: { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا } [يونس: 78] ، وقال عن مشركي قريش: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا... } [البقرة: 170] والآيات في ذلك كثيرة، والمقصود التنبيه إلى أن تقليد الآباء ومسايرة ما عليه الناس وألفوه لهو من أشد أسباب الوقوع في الكفر والشرك، وقد بين الحق للناس؛ ولكن لوجود الهوى وشدة ضغط الواقع وضعف المقاومة يؤثر المخذول أن يبقى مع الناس، ولو كان يعتقد أنهم على باطل وأن ما تركه وأعرض عنه هو الحق المبين، وإلا فما معنى إصرار أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يموت على عقيدة عبد المطلب الشركية مع قناعته بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله والحق معه لولا الهوى ومسايرة ما عليه الآباء وخوفه من مصادمتهم وتضليلهم؟ نعوذ بالله تعالى من الخذلان.

وإذا جئنا لعصرنا الحاضر وبحثنا عن أسباب ضلال علماء الضلال الذين زينوا للناس الشرك والخرافة والبدع الكفرية رأينا أن من أهم الأسباب مسايرتهم للناس، وميلهم مع الدنيا ومناصبها، وظنهم أنهم بمصادمة الناس سيخسرون دنياهم وجاههم بين الناس، فآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وسايروا الناس مع اعتقادهم ببطلان ما هم عليه، وكذلك الحال في سائر الناس المقلدين لهم في الشرك والخرافة والسحر والشعوذة لو بان لأحدهم الحق فإنه يحتج بما عليه أغلب الناس، فيسير معهم، ويضعف عن الصمود أمام باطلهم إلا من رحم الله من عباده الذين لا يقدمون على مرضاة الله تعالى شيئا، ولا يتركون الحق لأجل الناس، ولا يسايرونهم على ما هم عليه من ضلال وفساد؛ بل يتذكرون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من التمس رضا الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت