فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 719

أما تركيا فتابعت هي الأخرى سياسة التجاهل ووجدت في الاعتراض قضية يمكن تفهمها والتعامل معها من واقع عقلاني يسمح في النهاية بالتراجع عن بند التجريم في هذا القانون.

وقد أعلن مسؤول تركي في معرض تعليقه على سحب المشروع"المشروع كان سقطة آنية غاب فيها العقل ونأمل الآن أننا تجاوزناها". أما رئيس الوزراء رجب أردوغان فاعتبر أن القانون هو لحماية الزوجات من أزواجهم غير الأوفياء ولم يتجرأ على التصريح بجوهر القانون وبأنه استجابة لتطلعات الناس، إنما اختار توصيفه على أنه يضمن للنساء حقوقا أكثر.

وهنا تبرز المشكلة الحقيقية لسياسة التجاهل التركية التي لا تعير الحقائق الدامغة أي اهتمام وتحيل كل عقبة إلى تأويلات وتخريجات آنية.

فعندما صرح المفوض الأوروبي للسوق الأوروبية الموحدة، فريتز بولكشتاين بأن قبول تركيا في المنظومة الأوروبية معناه التفريط بدماء وأرواح الذين دافعوا عن فيينا عام 1683 أمام الزحف التركي الإسلامي، لم تحرك تركيا ساكنا ولم يسارع قادة أوروبا البارزون لإثبات عكس ذلك.

بولكشتاين كان يعبر عن وجهة نظر يؤمن بها كثيرون ليسوا فقط شعوب أوروبا وإنما قادة أوروبيون وعلى رأسهم واضع دستور الاتحاد جيسكار ديستان الذي أكد صراحة أن النادي الأوروبي هو ناد مسيحي وبالتالي لا يمكن لدولة إسلامية أن تدخله.

والأخطر أن ديستان نفسه واضع الدستور عمل على وضع بند فيه يجعل من دخول تركيا أمرا فائق الصعوبة، فهذا البند"الأكثرية المزدوجة"كما تقول وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة آنا بلاثيو لم يكن بريئا على الإطلاق، إنما كان مصمما لعرقلة دخول تركيا، وذلك بربط دخولها باستفتاء شعبي في دول الاتحاد.

يقول ديستان مبررا هذا البند الجديد"الأكثرية المزدوجة"إنه في حال وجود مشروع ضخم كهذا لا بد أن يؤخذ رأي المواطنين فيه.

بعبارة أخرى إن مشروعا ينص على قبول تركيا أمر لا يمكن قبوله على الإطلاق، لأن تركيا في نهاية المطاف دولة إسلامية، فإن قبل الزعماء لأسباب تكتيكية ومصلحيه آنية بتركيا فلا بد من عرقلة ذلك بربط القرار بمواطني أوروبا.

وبالطبع لم تزل أوروبا هي أوروبا المؤمنة بالقيم المسيحية المخففة عما كانت عليه، ولم يزل الشعب كله يرى أن ما يمارسه من عادات وطقوس هي الأنسب ليس فقط له بل لكل البشر.

ولذا فإن بلدا مثل تركيا المسلمة التي تطبق قوانين إسلامية تعيد إلى الذاكرة ماضيا مريرا لا يمكن الترحيب بها في المنظومة الأوروبية على الإطلاق.

ما يخشاه صناع القرار في أوروبا هو امتداد الإسلام البشري في أوروبا، لذا قال بولكشتاين صراحة إن دخول تركيا معناه"أسلمة أوروبا"، فتركيا بتعداد سكانها الضخم الذي يعتبر الثاني بعد ألمانيا تشكل خطرا كبيرا على الهوية الأوروبية، لأن هذا الشعب سينتشر مثل الجراد في أوروبا وبالتالي سيحقق سلما ما عجز عنه أجداده العظام في أوج عزتهم وجبروتهم حربا.

كما لم يجد المفوض التجاري الأوروبي النمساوي فرانز فيشلر ضيرا في القول إن تركيا شرقية أكثر منها أوروبية ونحن بحاجة إلى خطة"ب"للتعامل مع تركيا. لكن أوروبا سارعت إلى القول بأن ما يقوله هؤلاء لا يعبر إلا عن رأيهم ولا يعكس على الإطلاق رؤيتها وإنما الذي تريده من تركيا هو الانصياع لشروط الاتحاد التي لا علاقة لها بهذا كله!! إنها سياسة التستر بعينها.

المسؤولون الأتراك يعرفون تماما أن ما تطلبه أوروبا منهم غال وصعب وليس بالوسع طرحه على الشعب للمناقشة فاختاروا التجاهل

رغم كل هذه المعطيات الواضحة تابعت الحكومة التركية سياسة التجاهل فاعتبرت ما قيل ينتمي للماضي ولا صلة له بالحاضر، فقد أعلن السكرتير الأول في بروكسل عاصمة الاتحاد رادا على هؤلاء"آسف العالم كله تغير"بمعنى أن هؤلاء لا يزالون يعيشون في الماضي ولا يفهمون الحاضر!!

ولكن الحقيقة المرة أن المسؤولين الأتراك يعرفون تماما أن ما تطلبه أوروبا منهم غال وصعب وليس بالوسع طرحه على الشعب للمناقشة، فاختاروا التجاهل واعتبار أن ما قدموه من تنازلات وإصلاحات كفيل بأن يجبر أوروبا على وقف سياسة التستر والتخفي وراء أقنعة وأسباب واهية.

قد يكون هذا صحيحا لأن المضي بالتنازلات قد يجبر أوروبا في نهاية المطاف على الوصول إلى الطريق المسدود الذي ليس أمامه إلا طرح سياستها والقبول بتركيا.

لكن المشكلة تكمن في أنه حتى على فرض أن القرار الذي سيصدر في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول سيكون مؤيدا (وهذا وارد جدا) ، وعلى فرض أن الزعماء الأوروبيين وافقوا في ديسمبر/ كانون الأول على فتح المفاوضات مع تركيا (وهذا صعب للغاية) فإن تركيا لن يكون بوسعها الانضمام حقيقة إلا عام 2025.

هذه المدة الزمنية طويلة جدا ومرهونة بتطورات قد تقلب الأمور كلها رأسا على عقب إضافة إلى أنه آنذاك لن تفيد تركيا من الاتحاد كثيرا، لأن عصر المعونات الاقتصادية يكون قد ولى بموجب عولمة الاقتصاد وشروط منظمة التجارة العالمية. لكن مقابل هذا كله ستجد تركيا نفسها ترمي شيئا فشيئا تاريخها وهويتها.

كما أن من سلبيات هذه السياسة سلب الشعب تطبيق ما يؤمن به ما يخلق على المدى البعيد مجتمعا منقسما على نفسه وشعبا لا تجمعه ضوابط حول هويته.

تركيا بسياسة التجاهل هذه قد تصل إلى ما يسمى لحظة الحسم مع أوروبا لكنها ستجد آنذاك أنها تنازلت عن الكثير وحققت القطيعة مع الإسلام مقابل حلم الدخول في ناد أوروبي يصر قادته على أنه ناد مسيحي!!

كاتب لبناني

الهوية الإسلامية... وإحياء الأمة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لكل أمة من الأمم ثوابت تمثل القاعدة الأساسية لبناء الأمة. وفي طليعة هذه الثوابت تأتي الهويّة باعتبارها المحور الذي تتمركز حوله بقية الثوابت، والذي يستقطب حوله أفراد الأمة. ولا تستحق أمة من الأمم وصف الأمة حتى يكون لها هويتها المستقلة والمتميزة عن غيرها من الأمم.

وإذن فالأمة بنيان يتجمع فيه الأفراد حول هويّة ثابتة، تكون هي الصبغة التي تصبغ الأمة، وتحدد سلوك أفرادها، وتكّيف ردود أفعالهم تجاه الأحداث. فتحديد الهويّة ليس ترفًا فكريًا، أو جدلًا فلسفيًا. بل هو أمر جاد يتعلق - بل يقرر - طبيعة الصراع المصيري للأمة مع أعدائها، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يحدد موقفه من غيره، قبل أن يحدد موقفه من نفسه: من هو؟ ومن يكون؟ وماذا يريد؟ وبدون هذا الحسم للهويّة الذاتية، لا يمكن تحديد موقف فعّال من أي قضية من قضايا المصير والتقدم والحياة الكريمة.

والإسلام وحده هو هويّة الأمة الإسلامية وهو عصب حركتها ومحور اجتماعها، وهو القوة الدافعة التي تُفَجّر طاقات الأمة وتُقوّي وقفتها في مواجهة أعدائها. ويوم أن كان الإسلام هو هويّة هذه الأمة، كان المسلمون هم سادة الأرض بحق وصدق وعدل... وبغيره ستظل الأمة تلهث وراء المظاهر الحضارية تحسبها التقدم، وهي القشور والخداع.

لقد بلور الإسلام هوية الأمة الإسلامية، ومنح أفرادها الجنسية الإيمانية، فاجتمعوا حول الإسلام وربط بينهم حبل الله كارتباط الجسد الواحد... ولم يستطيع الغزو العسكري أو الفكري أن يحكم الأمة الإسلامية بغير الإسلام إلا في ظل العصا الغليظة، والاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والأنظمة الجبرية... حيث تلغى

إنسانية الإنسان، وتطارد حريته، وتصادر هويته!

... واليوم يبقى الإسلام هو وحده المنهج الذي يمثل خصائص الأمة ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية... ذلك أن هو هوية الأمة الإسلامية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت