فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 719

وفضلا عن النماذج السابقة، فإن الزائر العادي حاليا لأي جامعة أو مدرسة عليا في هولندا، لا يمكنه إلا أن ينتبه للعدد الكبير والمتزايد للطالبات المسلمات، وخصوصا تلك الشريحة من بينهن، المتمسكة بارتداء الحجاب، والتي تنحدر في غالبيتها من جيل العمال المسلمين الأول، وبمعنى أن هؤلاء الطالبات لم يأتين إلى هولندا كبيرات، بل غالبيتهن وُلدن في هولندا، وتابعن دروسهن في مدارس أساسية وثانوية هولندية.

ويتوقع المسلمون في هولندا أن تلج بناتهن الطالبات في الجامعات حاليا سوقَ العمل في أدق اختصاصاته وأكثرها رفعة من الناحية العلمية، فالطالبات المسلمات موجودات بأعداد بارزة في كليات الطب والهندسة والحقوق، وسيأخذن مواقعهن كطبيبات ومهندسات ومحاميات أو قاضيات خلال السنوات القليلة القادمة.

وستساعد المدارس الثانوية الإسلامية، التي بدأت في الانتشار تدريجيا بعد تأسيس المدرسة الأولى في روتردام سنة 1999 ـ الطالبات المسلمات المتحجبات على تجاوز الكثير من المعوِّقات والعراقيل التي كانت تعترض طريقهن في سعيهن للوصول إلى الجامعة، حيث كانت المدراس الأخرى تفرض عليهن شروطا لا يرضونها، ومنها ممارسة الرياضة بشكل مختلط والانخراط في نشاطات مدرسية يرون أنها لا تتفق مع ثقافتهن الإسلامية.

ويلاحظ المهتمون بشئون الأقلية المسلمة أن الطالبات المسلمات أكثر تفوقا من الطلاب، وأنهن أكثر اجتهادا ومثابرة، وأكثر وصولا للمراحل التعليمية العليا، ومن ضمنها التعليم العالي، وهو ما سينعكس في المستقبل على سوق العمل، حيث ستكون نسبة العاملات المسلمات فيه أكثر من نسبة العمال المسلمين، خاصة في المجالات التي تتطلب شهادات عليا وتخصصات دراسية راقية.

ولا شك أن كل نجاح تحرزه المرأة المسلمة في هولندا، وتحديدا تلك التي تظهر الاعتزاز بجذورها الدينية والثقافية، سيشعل شمعة في طريق حوار الحضارات والثقافات المظلم للأسف من جراء تمسك البعض بالقوالب الجاهزة والتحليلات البسيطة المتعالية على الآخر والمحتقرة لخصوصيته وطريقة تفكيره وتقديره المختلفة.

المسيحيون العرب.. وقلق الهوية الإسلامية

مصطفى سليمان**

غلاف كتاب الدكتور أندريه زكي

ينتمي القس الدكتور"أندريه زكي"- وهو أحد القساوسة البروتستانت في مصر- إلى مدرسة المسيحية الليبرالية التي تعتمد في أفكارها على مشروع لاهوتي غربي، ويتفق هذا المشروع والمسيحية الليبرالية في أن المرجعية الأساسية للمشاركة السياسية يجب أن تكون للعلمانية والمجتمع المدني.

وإذا عرفنا هذه المدرسة الفكرية في المسيحية، يمكن أن نستخلص المشروع الفكري لـ"أندريه زكي"، والذي أنتجه في كتابه الأخير"الإسلام السياسي والمواطنة والأقليات: مستقبل المسيحيين العرب في الشرق الأوسط"، والصادر هذا العام، ويقع في حوالي (360) صفحة، ويحتوي على معلومات مهمة وبيانات عن المسيحيين العرب.

والكتاب عبارة عن ترجمة لرسالته في الدكتوراة، والتي حصل عليها من إحدى الجامعات البريطانية؛ فهو يتحدث عن مشروع علماني ينصهر فيه المسيحيون العرب ليتمكنوا من المشاركة السياسية الفعالة.

والسؤال المطروح هنا: ما هي أركان هذا المشروع، ودلالته؟ وإلى أي مدى يمكن أن يقود إلى مشاركة سياسية فعالة للمسيحيين العرب؟ وهل يستطيع المسيحيون العرب والمسلمون أن يعيشوا بعيدا عن ديانتهم لتتحقق المشاركة السياسية الفعالة؟.

ربما كانت الإجابة على هذه التساؤلات هي ما يبحث عنه"أندريه زكي"؛ فهو يتحدث عن العلاقة بين الإسلام السياسي والمسيحيين العرب، وتأثير تنامي هذا التيار على المواطنة، ودور المسيحيين العرب السياسي في الشرق الأوسط.

المسيحية السياسية العربية

في البداية رصد"أندريه"حقبة القومية العربية وما أصابها من وهن، كمدخل للإجابة على عدة أسئلة؛ في مقدمتها الدور السياسي الذي يقوم به المسيحيون العرب في المنطقة، وكيف يرون مستقبلهم، وما هو مستقبل المسيحية السياسية، وكيف يمكن تجاوز بعض المشكلات التي حدثت في الماضي، والتحرك للمشاركة بفاعلية في بناء المنطقة؛ بولاء والتزام مطلقيْن نحو أرضها وثقافتها وتاريخها.

والواقع أن"أندريه"-كبعض المثقفين الأقباط- يلقي التهمة على الإسلام السياسي كمعوق في عدم مشاركة المسيحيين العرب في العمل السياسي، ويؤكد أن للمسيحيين العرب دورا محوريا في نشأة فكرة القومية العربية، ورغم ذلك فإن هذا التيار أصابه الوهن؛ بسبب تنامي مفهوم الدولة القومية، وظهور الإسلام السياسي؛ الذي يؤكد على مبدأ الوحدة الإسلامية كأيديولوجية سياسية بديلة للوحدة العربية.

وفي رأيه أن تلك الأيديولوجية الإسلامية استندت إلى فكرة أن القومية والعقيدة وجهان لعملة واحدة، وأن المجتمع الإسلامي أساسه العقيدة لا القومية، وأن الإسلام السياسي يجعل السلطة في أيدي المسلمين فقط، ويضع غير المسلمين في وضع الذمي أو أهل الذمة.

ولا يتجاهل"أندريه"الظروف السياسية الدولية وانعكاساتها على المواطنة، فهو يرى أن المسيحيين العرب يواجهون صعوبات متعددة؛ فهم يعيشون في نظم سياسية يغلب عليها الطابع السلطوي، الذي يسمح بهامش محدود من الحرية، والمجتمع المدني غير متحقق بشكل فعلي، والمعارضة خاضعة لسلطة الحكومة، والأصوات التي تدافع عن حقوق الإنسان تتعرض للتهديد والضغوط، إضافة إلى أن الصراع الكامن بين الإسلام والغرب يجدد خصومة قديمة بين المسلمين والمسيحيين العرب.

و"أندريه"بهذا المعني يتجاهل حقيقة انتماء المسيحيين العرب للحضارة الإسلامية العربية، ويحاول سلخهم عنها، ويتضح ذلك من افتراض غير علمي، وهو أن انتماء المسيحيين العرب للقومية العربية كان بدافع المشاركة السياسية فقط، وهو افتراض غير صحيح من الناحية التاريخية، كما أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا كانت تعني القومية العربية عند المسلمين العرب؟.

ما بعد انهيار القومية العربية

يرى"أندريه"أن القومية العربية ظلت هي الأيديولوجية التي يمكن استخدامها لتحقيق المشاركة السياسية حتى الستينيات من القرن الماضي، وأدى بزوغ فكرة الوحدة الإسلامية وأسلمة القومية العربية إلى ظهور مفاهيم سياسية جديدة، مثل: الناصرية، والبعثية، وقومية الدولة، ومن هنا شعر المسيحيون العرب بالتهديد.

ومع انهيار الأيديولوجية الناضجة، وغياب الديمقراطية، وعجز الدولة عن تقبل الجماعات الأخرى داخلها؛ كل هذه العوامل ساهمت في عرقلة المهمة السياسية للمسيحيين العرب، وجعلتها صعبة وشديدة الحساسية.

ويلاحظ أن"أندريه"يميل إلى تبني فكرة القومية العربية بشكلها العلماني، لتحقيق المواطنة السياسية للمسيحيين العرب، وأنه ليس من أنصار فكرة التقريب بين القومية العربية والإسلام.

ويرى المفكر القبطي الدكتور"رفيق حبيب"أن القومية العربية في مختلف صورها كانت فكرة تقوم على مشروع سياسي غربي، وأخذت منه لب الاتجاه العلماني، ونشط فيه الأقباط، وكان جزء من هذا النشاط هو اختيار الحل العلماني؛ فالقوميون فصلوا ما بين القومية العربية والحضارة الإسلامية، حيث ظلت القومية العربية شعارا سياسيا؛ ومن ثم فهي لم تفشل بسبب محاولة أسلمتها.

المواطنة الديناميكية

والواقع أن"أندريه"يتحدث عن مشروع علماني ينصهر فيه المسيحيون العرب؛ ليتمكنوا من المشاركة السياسية الفعالة؛ ولذا يقف ضد فكرة الأسلمة والحركات الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت