فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 719

إذاَ نحن أمام هجمةٍ شرسة على ثقافتنا وقيمنا، وأمام تسويقٍ مفضوح للبضاعة المزجاةِ لأعدائنا، تتكئ هذه الهجمة على الإعلام، وتسخر من مناهجِ التعليم، وتسعى جاهدةً لإفسادِ المرأة ، وترشق بسهامها الموتورة أهلَ الخير، ولا يسلم من نقدها المسؤولون والمنظرون للسياسات العليا في البلاد ، إنها خلخلةً للكيانِ كله، واستهدافٌ للمؤسسات التربوية والدعوية، وتمهيدٌ للغزاة، ومجاهرةٌ بالفسوق وإعلان للتطرف، وتلويحٌ للإرهاب .

فكيف يكون الموقف، وبماذا يُنقذ العباد، وتسلم البِلاد ؟

1-لا بد أولًا من الوعي واستشعار هذهِ المخاطر، ومعرفة أصحابِ اللحن في القول، ورصد التوجهات، والتعرف على الصِّلات والارتباطات.

2-ولا بد ثانيًا من النصح والمصارحة لهؤلاء، فقد يكون من بين هؤلاء مُغترٌ فيعود إلى رشده، أو جاهلٌ مستغرق في خيالاته، وتجاربُ من سبقه توقفه على الحقيقة، وهذه تجربةٌ شجاعةٌ يقول صاحبها - بعد أن هداه الله - « اندفع الفكرُ المتغرب يُشهر حربًا شاملةً على الإسلامِ وأهله ، ظانًا أن في ذلك تحريرًا للشعب وللمرأة ، وإطلاقًا للعقل، ولكنَّه ما درى أن تلكَ الحربَ تأتي بنتائج عكسيةٍ تمامًا، إذا بالشعب يُحطِّم ويُشل، وإذا بالمرأة تتيه وتضيع، وإذا بالعائلة تتمزق وتتخبط، وإذا بالعقل يصبح مغلولًا إلى الغرب، وإذا بالاستقلال تبعيةً ، وإذا بالتقدم الاجتماعي مزيدًا من التخلف ، ثم وصلت الأمور إلى أن يُعلن ذلك الفِكرُ نفسَه أننا نعيش زمنَ الانحطاطِ العربي ؟! [ منير شفيق ، الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر ص 148، 149 / عن د.الزنيدي ، العصرانية س 47 ]

3-ولا بد من تكاتف الجهود مع كل مخلص لحماية البلاد والعباد من خطرِ هؤلاء، مع اعتبار أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن » واعتبار أن المركبة واحدة والسلامةُ للجميع .

4-لا بد من مشاريع عمليةٍ، ومثابرة في الإعلام والتعليم والتربية والتوجيه والدعوة، وأن تكون شاملةً للمرأة والرجل، والطفل والكبير والمثقف والعادي.

5-لا بد من وضع حدٍ للنقد الصارخ لسياسات الدولة العليا، وفي مقدمتها السياسةُ التعليمية والإعلامية، وإن الإصلاحَ مطلب ولكن تجريدها من عمقها الإسلامي وأهدافها العليا أمرٌ مرفوض .

6-الارتقاء بمستوى وعي الناس عمومًا والخيرين خصوصًا، والجرأة في تصحيح الأخطاء وتطوير الأعمال والمؤسسات حتى تكون المشاريع الإسلامية على مستوى التحدي والقدرة على الجذب والتأثير.

7-ربط الجسور مع كل جهدٍ خيِّر ، والتعاون مع كل عاملٍ مخلص، وأهمية التواصل مع الآخرين، وعدم الانكفاء على الذات، فمظلة الدين واسعة، وهاجسُ حماية الوطن من المؤثرات الخارجية والداخلية هدف يشمل شريحةً كبرى في المجتمع .

8-تعميم توعيةِ الناس بالانحرافات الفكرية والأخلاقية في وسائلِ الإعلام عمومًا، والتنبيه إلى مخاطرِها الواقعة والمستقبلية، واستنهاض الجميع للاحتساب على المنكر والأمر بالمعروف، فليس أضرَّ على الناس من قومٍ يُلبسون عليهم دينهم ويزيفون وعيهم ؟

9-التواصل مع ولاة الأمرِ من الأمراء والعلماء وأهل الفكر، وأصحاب المال والجاه والمسؤولية، والتشاور معهم في وضعِ حدٍ للمبطلين .

10-التعامل مع الأحداث والمستفزات بحكمةٍ وعمق، فلا نُخدع ولا نُستفز، ولا نتعرف بردود الأفعال، ولا نقابل الخطأ بخطأٍ آخر.

موجة التقليد والتشبه التي أصابت المسلمين

مع ظاهرة التدين العالمية التي لم تعد قصرًا على المسلمين وحدهم تجتاح العالم الإسلامي موجةٌ من التقليد الأبله والتشبه المذموم، ويكادُ أفرادٌ وجماعاتٌ من المسلمين أن يفقدوا هويتهم الإسلامية، وتذوب شخصياتُهم في شخصيات الآخرين فالهيئة يُداخلها التشبهُ بالكافرين إذ يُحلق ما حقُّهُ الإعفاءُ ويُعفى ما حقه الإحفاء في الشرع المطهر، قال عليه الصلاة والسلام: (( أَعْفُوا اللِّحَى ، وجزوا الشَّوَارِبَ ، وَغَيِّرُوا شَيْبَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى ) ) [1]

والملبسُ يطغى عليه الإسبالُ المحرم، أو تبدوا لقصرِه العورةُ المأمور بسترها، أو يُفصَّلُ على هيئة لباس غير المسلمين فتدعو المشابهة شكلًا إلى عدم المخالفة في الأمور الأخرى، والزينة فيها تعدٍ وتجاوزٌ فالذهبُ يتختم به بعض أبناء المسلمين، ومعلومٌ نصوصُ الشرع في تحريم لبس الذهب للرجال وإباحته للنساء بشكل عام ، وفيما يخص التختم: (( رَأَى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ وَطَرَحَهُ وَقَال: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ ، فَقِيل لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ ، قَال: لا وَاللهِ لا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ) ) [2] .

وهكذا يكون التأسي وكذلك يكون الإتباع .

والأمرُ أدهى وأمر .. وفي مضمار التميع وغياب العزِّة والهوية الإسلامية حين يُحتفي بالكفار ويُقدّر الفُجَّار ويُستهانُ بالمسلمين ويُتهم الأخيار ، وكل ذلك خلافُ هدي الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإِذَا لقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إِلى أَضْيَقِهِ ) ) [3] .

وأخطرُ من ذلك مشاركتهم في أعيادهم وحضورُ احتفالاتهم وتهانيهم بمناسباتهم التي لم يُنْزل الله بها من سلطان، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: (( وَالذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) ) (الفرقان: من الآية72) .

قال مجاهدٌ والربيعُ بن أنسٍ والقاضي أبو يعلى والضحاك -في تفسيرها-: إنها أعيادُ المشركين (ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم ص181) .

وعن أنس رضي الله عنه قال: (( قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَلهُمْ يَوْمَانِ يَلعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَال: مَا هَذَانِ اليَوْمَانِ ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلعَبُ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ ، فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ ) ) [4] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله-: ( والمحذورُ في أعياد أهل الكتابين التي نقرّهم عليها أشدُّ من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حُذِّروا مشابهة اليهود والنصارى وأُخبروا أن سيفعلُ قومٌ منهم هذا المحذور بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلاّ في آخر الدهر عند اخترامِ أنفسِ المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشدَّ منه فإنه مثلُه على ما لا يخفى، إذ الشرُّ الذي له فاعلٌ موجود يُخافُ على الناس منه أكثرُ من شرٍّ لا مُقتضى له قوي) [5] .

أما الفاروق عمرُ رضي الله عنه فقد قال: (( إياكم ورطانة الأعاجم ، وأن تدخلوا على المشركين يومَ عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تنْزل عليهم ) ) [6]

وفي سبيل التشبه الظاهري بالكافرين تأكلُ وتشربُ فئامٌ من المسلمين بالشمال وكأن الأمر عادةٌ من العوائد ليس فيها ملام، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يُحذر من هذا ويقول: (( لا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ ) ) [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت