فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 719

هذا هو ما نعنيه بالتقسيم التوحيدي وهو لن يطبق في السودان وحده بل هناك دول عديدة مرشحة لتطبيقه وهي ليست بعيدة بحال عن السودان ففيها يجرى تشجيع وتكتيل وتقوية الأقليات الدينية أو العرقية أو الثقافية ( العلمانية مثلا ) وتركيز مفاتيح القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في يدها، مع إضعاف الأغلبيات المسلمة بشتى الوسائل وفي كل الاتجاهات والمجالات تحت شعار المرحلة الرئيسة، وهو ضرب التطرف الإسلامى ومعه كوكبة الشعارات المصاحبة مثل العصرنة والعلمنة والتحديث وما شابه ، لكن عملية تقوية الأقليات وإضعاف الأغلبيات المسلمة لا تصل إلى حد الانفصال الفعلي، أي الرسمي المعلن عنه في هيئة دولة وجيش وعلم واسم ومقعد في الأمم المتحدة ... إلخ، بل تظل في إطار الدولة الأهلية القديمة الواحدة ولكن مع فارق جذري وجوهري، وهو إبعاد الأغلبيات الإسلامية عن السيطرة على أجهزة ومؤسسات هذه الدولة ومنح هذه السيطرة للأقلية النخبوية العلمانية المتغربة ( التي لا تزال تحمل أسماء إسلامية تفاديا للإثارة النهائية للجماهير الإسلامية ) والتي تحكم ومعها الأقلية القوية تحت شعارات المساواة والديمقراطية بمفاهيمها المزيفة والمشوهة وليس الحقيقة .

وبهذه الطريقة تصل الأقليات ومعها القوة الاستعمارية الاستكبارية الكبرى المؤيدة لها ( أمريكا ) إلى نفس أهداف الانفصال والتقسيم لكنها تضيف إليها ميزات جديدة وهي أن الأقليات لا تقيم دولة خاصة بها تنعزل فيها وتتغلف فيها على نفسها بحيث تتولد داخلها صراعات وانقسامات وضغوط تضعفها أو بحيث تدخل في حرب قد تفضح مخططات ومصالح الدولة الكبرى المشجعة لها وإنما تكون لها قوة وهيمنة وسيطرة داخل الدولة الواحدة الأصلية على الأغلبية الضعيفة وبذلك يحدث لها أمران أولهما تماسك قوتها الداخلية في وجه العدو الإسلامي والثاني هو توجيه أية قوى داخلية شرسة نحو الهيمنة على الإسلام المحيط بها .

تحكم الأقلية في الأغلبية المسلمة

كذلك فإن هذا الترتيب وهو التقسيم التوحيدي يتجنب إثارة مشاكل تترتب على الانقسام التقليدي كما أنه في الوقت نفسه يضمن وجود الأقليات الدينية القوية داخل الدولة الموحدة لكي تحكمه وتربطه الأغلبيات الإسلامية وتسيطر عليها بالمشاركة مع النخب العلمانية المتدربة التي تحمل أسماء إسلامية .. ذلك لأنه لو انفصلت هذه الأقليات الدينية في دولة خاصة بها فإنه سوف ينشأ رد فعل مضاد داخل الدولة المتبقية ذات الأغلبية المسلمة الصافية يطالب بإقامة حكم إسلامي صريح في مقابل الدولة الدينية الجديدة ، وأمريكا بالطبع لا تريد مثل هذا التطور بل تريد أن تهيمن العلمانية المتغربة على أمور الحكم في البلدان الإسلامية وتريد في الوقت نفسه أن تصل الأقليات الدينية غير المسلمة إلى وضع من الهوية الدينية الخاصة بها والقوة والاستقلالية القائمة على هذه الهوية الدينية ، والحل السحري لتحقيق ذلك هو ذلك التقسيم التوحيدي الجديد الذي يبقي الأقلية رسميا داخل الكيان الموحد القديم لكنها تبقى في موضع القوة المسيطرة أو الفعالة المتمتعة بالهوية الدينية المعلنة تحت دعاوى المساواة بينما لا يسمح هذا الوضع برد فعل إسلامي يطالب بإدارة دولة إسلامية في مقابلة الدولة النصرانية أو الأقلية؛ لأنه ببساطة لا توجد مثل هذه الدولة، وتظل هذه الأغلبية المسلمة في هذا الوضع تحت حكم النخبة العلمانية المتغربة ومعها حكم الأغلبية الدينية وتكبت مشاعرها وهويتها بحجة مراعاة الوحدة الوطنية من ناحية، وبحجة مراعاة متطلبات العلمنة والتحديث من الناحية الأخرى .

إننا عندما نتحدث عن التقسيم وهو أمر حقيقي وواقع كأداة للقوة المتغطرسة لا يجب أن نبصر كلامنا على التقسيم التقليدي الذي أخذ يختفي من على الساحة بل يجب أن نضع في اعتبارنا التقسيم بمعناه الجديد التوحيدي وهو أخطر بكثير على مصالح الأمة الإسلامية ووجودها نفسه من الانقسام التقليدي .*مفكر إسلامي وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة

المسلمون في جيانا .. نشاط كبير لإثبات الهوية

عبد الحي يوسف 26/3/1424

تصل نسبة المسلمين في جمهورية (جيانا) إلى 10% من مجموع السكان البالغ عددهم 800 ألف نسمة, وتقع (جيانا) في الجزء الشمالي من أمريكا اللاتينية, وتحدها شرقا (سورينام) والتي كانت مستعمرة هولندية في السابق, وغربًا فنزويلا, وشمالًا المحيط الأطلسي, وجنوبًا البرازيل, وتبلغ مساحة (جيانا) -التي كانت في السابق مستعمرة بريطانية- حوالي 83 ألف ميل مربع, ويقيم معظم السكان في شريط ساحلي ضيق، ويعمل غالبيتهم في زراعة قصب السكر والأرز اللذين يمثلان العمود الفقري لاقتصاد البلاد وعاصمتها (جورج تاون) .

ومن الناحية التاريخية, فإن (جيانا) تربطها علاقات ببريطانيا وهولندا وإسبانيا وفرنسا والبرتغال, وقد جُلب إليها العمال من أفريقيا؛ للعمل في مزارع السكر، ومن ثم تم جلب أيدٍ عاملة من الهنود الأمريكيين والهنود الشرقيين والأفارقة والبرتغاليين, وقد تمخَّض عن هذا الخليط البشري ازدهار عدة ديانات من بينها الإسلام والمسيحية, وتعتبر اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية في (جيانا) إلى جانب انتشار بعض اللهجات.

وقد مر اقتصاد البلاد بفترة عصيبة، بدأت منذ السبعينيات عند نشوب الأزمة النفطية في العالم, و استمرت لمدة ثلاثة عقود, وتوجد في (جيانا) تنظيمات إسلامية نشطة, أبرزها (المنظمة الإسلامية المركزية) التي رأت النور في عام 1979م، ويرأسها حاليًا الحاج فضيل محمد فيروز, فهي تتعاون مع كافة الهيئات والتنظيمات الإسلامية الأخرى لخدمة المسلمين في كافة أنحاء (جيانا) , ويشهد المسلمون وغير المسلمين بالجهود التي تبذلها في مجال التعليم، وتخفيف معاناة الفقراء، ونشر الوعي الإسلامي من خلال نشر برامج إذاعية وتلفزيونية، وتوصيل منشورات إسلامية إلى بيوت المسلمين وغير المسلمين، بهدف دعوتهم إلى الإسلام.

وبجانب ذلك تقوم الجمعيات الإسلامية في (جيانا) بتوزيع أموال الزكاة -شهريًا- إلى أكثر من 900 شخص, فضلًا عن القيام بكفالة 160 يتيما, بالإضافة إلى صرف أجور للائمة والأساتذة في المدارس الدينية.

ومن بين المشاريع المهمة للمنظمات والجمعيات الإسلامية بجيانا تنظيم دورة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية لمدة ثلاثة أشهر في كل عام، يشارك فيها طلبة من (سورينام وجامايكا والبهاماس) , ويدرس فيها نخبة من المعلمين من ولايات مختلفة, كما تعمل الجمعيات على توفير الكتب الإسلامية؛ لتكون في متناول الصغار والكبار؛ لتعميق الوعي الإسلامي لدى المسلمين, كما أنها تتطلَّع إلى تعزيز طاقم العمل لديها .

وتسعى تلك الجمعيات إلى تطوير برامجها الإعلامية؛ لزيادة المعرفة بالإسلام لدى غير المسلمين، وتطوير برامجها الدعوية، وزيادة عدد الأئمة المعينين لديها, كما تسعى أيضا إلى إقامة مشاريع اقتصادية ومشاريع اجتماعية خاصة بالنساء، وتوفير منح دراسية للطلاب المسلمين في (جيانا) بجامعات العالم الإسلامي

الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلامية في إطار الرؤية المتكاملة

د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري

مدخل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت