من الشائع في الكتابات السياسية اليوم أن أمريكا تسعى الآن إلى عملية تقسيم واسعة النطاق للعديد من البلدان الإسلامية ، وأولها هو العراق الذي يقال إن الخطة التي تقضي بتقسيمه إلى ثلاثة أجزاء هي دولة كردية ودولة سنية ودولة شيعية ، ويرد في الأخبار كذلك تقسيم السودان إلى جنوب وشمال ، بل وربما إلى دول أخرى في الغرب والجنوب الغربي وحتى داخل الدولة الشمالية نفسها ، وآخر هذه التقسيمات هو تقسيم السعودية إلى دول شرقية تحوي المواد البترولية ودول غربية تضم الأماكن الإسلامية المقدسة كما يسمونها، وحتى هذه الدول الغربية قد تنقسم إلى أجزاء شمالية ووسطى وجنوبية وهناك بالطبع الحديث القديم حول تقسيم مصر إلى دولة قبطية ونوبية وإسلامية ( أو بالأصح علمانية ) ثم هناك حديث عن تقسيم الصومال وهو أمر واقع وتقسيم الجزائر بفصل دولة للبربر وتقسيم إندونيسيا ، وقد بدأ بالفعل بفصل تيمور الشرقية كدولة نصرانية وقد يستمر بفصل أجزاء أخرى .
وقد يمتد حديث التقسيم ليطال إيران مثلا بفصل جزء كردي وجزء عربي سني وحتى جزء أذربيجاني وكذلك إلى تركيا بفصل جزء كردي وإلى نيجيريا بفصل عدة دول في الجنوب الموصوف خطأ بالنصراني.
سلاح استعماري
والواقع أن التقسيم والفصل والتجزئة والتفتيت هي من الأسلحة المفضلة لدى الدول الاستعمارية بالذات لضرب الدول والكيانات الإسلامية .
وهو سلاح فعال لإيجاد دويلات صغيرة تقوم على أقليات دينية أو عرقية أو ثقافية غير إسلامية ، معادية للإسلام تقبع في مناطق استراتيجية الموقع أو تملك موارد طبيعية غنية وتكون موالية للغرب وتستخدم سلاحا لضرب ما تبقى من الكيانات الإسلامية الكبيرة والتى تتحول إلى حالة ضعف وتشرذم داخلي وحالة إضراب وفقر بعد فصل الدويلات التابعة .
وعملية التقسيم والتجزئة تحقق أهدافا كثيرة للدولة الاستعمارية ومنها أمريكا فهي كما قلنا توجد دويلات صغيرة تابعة يمكن التحكم فيها وهي سوف تكون بطبيعتها موالية وعملية للأمريكان ومتحمسة في خدمتهم في محاولة لشكرهم ورد الجميل لمساعدتهم كما أنها تكون عادة وكما قلنا قابعة في مواقع استراتيجية أو مالكة لثروات طبيعية ثمينة مما يجعلهم يسيطرون على هذه الثروات ويستغلون الموقع الاستراتيجي لمصلحة سياستهم أو كقواعد لقواتهم ، كما أن التقسيم يضعف الدول الإسلامية ويلقي بها في حالة من الفقر لضياع الثروات والوقوع في حالة من الإضراب العام بعد أزمات الانفصال مما يقضي على أية آمال أو احتمالات لها في التقدم والوصول إلى وضع القوة والاستقلال ..وهناك العديد بالطبع من الفوائد التي تعود على الدول الاستعمارية من ممارسة التقسيم والتجزئة .
تقسيم من نوع جديد
ولكن لا يجب أن يكون الحديث عن التقسيم والتجزئة حديثا مرسلا وسهلا يطلق في كل وقت بلا تمييز ولا تدقيق ، فهناك حقيقة غائبة عن هذا الحديث في كتابات الصحف المستعجلة وهي أن أمريكا كقوة غاشمة استعمارية أكبر قد تجاوزت الآن عملية التقسيم والتجزئة للدولة المستهدفة بمعناها وشكلها القديم غير المميز .
إننا الآن إزاء حالة جديدة وفريدة من التقسيم الجديد النوع يمكن أن نسميه بالتقسيم التوحيدي، أو التجزئة التكاملية، وهي حالة تحقق نفس أهداف النوع القديم من التقسيم، ولكنها تتفادى عيوبه ومنها إثارة الرأي العام في البلد المستهدف وتحفيزه للرد والدفاع ،ومنها مخالفة القوانين الدولية بشبهات التدخل وغير ذلك، والواقع أن النوع الجديد من التقسيم التوحيدي نتيجة لعيوب النوع القديم أو التقليدي من التقسيم يحقق نفس الأهداف القديمة ويزيد عليها أهدافا جديدة ، كما يحسن من كفاءتها وبذلك أخذ يدخل الساحة الآن وبقوة ، ولكن ما الذي نعنيه بالتقسيم التوحيدي ، إننا نعني ببساطة نوعا من فصل الأقليات وبالذات الدينية عن جسد الدولة أو الكيان الإسلامي الأكبر ووضع هذه الأقلية في حالة قوة وهيمنة وسيطرة من مواجهة الأغلبية المسلمة دون أن يستتبع ذلك الشقاق هذه الأقلية أو الأقليات في هيئة كيان أو دولة مستقلة منفصلة في هذا الجسد، وإنما تظل هذه الأقلية على حالة القوة والهيمنة هذه داخل الجسد الواحد لكي تسيطر وتهيمن وتتحكم في الأغلبية ( المسلمة ) وذلك كله من وراء شعارات الوحدة الوطنية والجسد الواحد والعلمانية بالطبع .
سودان علماني
وهذا النمط الجديد هو بالتحديد ما وجدناه بداية في السودان مع تقوية حركة جارانج إزاء الاتفاقات التي عقدتها حكومة السودان مع هذه الحركة بفضل النفوذ الأمريكي والأوروبي تصايحت أصوات في عدة بلدان عربية تتحدث عن مخاوف التقسيم وفصل الجنوب عن الشمال وكانت الحركة المتمردة تنفي ذلك وتؤكد حرصها على وحدة السودان بينما يشكك البعض في هذه التأكيدات ويصفونها بأنها مجرد ألاعيب سياسية ودعائية لإبعاد الأنظار عن هدفها الحقيقي، وهو إقامة دولة مستقلة في جنوب السودان ، ولكن في الحقيقة فإن حديث جارانج وعصابته حول وحدة السودان هو حديث صحيح حقيقي بل وطبيعي من وجهة نظرهم لأن المسألة فيه تتوقف على نوعية السودان الذي يريدونه موحدا، أنه حسب كلامهم وكلام أنصارهم الأجانب والسودانيين وحتى المصريين من المتعاطفين معهم وبالذات من مجموعة الاستراتيجيين إياهم والطائفيين هو سودان علماني في الشمال تنزع منه الهوية الإسلامية والعربية وتقيد حياته وعقيدته الإسلامية وتمنعها، بينما تطلق كل الحرية للهوية المسيحية المزعومة للجنوب وذلك تحت شعار الحرية وحقوق الأقليات ومنع طغيان الأغلبيات .
إن حركة جارانج قد ذاقت طعم القوة بالدعم الدولي الواسع النطاق والمساعدات الهائلة من كل الأنواع ومن كل الجهات ( بما في ذلك إسرائيل ) لم تعد تكتفي بحلم إقامة دولية مستقلة في الجنوب حتى وإن امتلكت هذه الدولة موارد البترول والثروات الطبيعية لكن القوة العسكرية الهائلة التي أعطيت لها مع تدخل دولة خارجية أخرى معها وآخرها إريتريا، ومع إضعاف الطرف الآخر هو الحكومة السودانية الشرعية ومع خيانة بعض الأطراف السودانية الداخلية والعربية كل هذا أعطىالحركة المتمردة الطموح لكي تسير ، ومن موقع القوة والهيمنة والعلو على كامل أراضي السودان بحيث تصبح هي الطرف الأقوى في معادلة كونفدرالية أو فدرالية يتم التوصل إليها ويقيد الطرف الآخر بدعاوى العلمانية أو مساواة الأقليات أو التعددية وما أشبه بعد تفسير هذه الشعارات على النحو الذي يؤدي إلى تكبيل الأغلبيات وهيمنة الأقليات أو بالأصح إلى تكبيل ومنع وحصار الإسلام والعروبة ( باعتبارها الأطراف المعتدية أصلا والمطلوب تقيدها وعقابها ) ومنح الحرية الواسعة للأقليات ( النصرانية فقط وليست الجنوبية كلها التي تضم المسلمين والوثنيين ) باعتبارها هي الضحية التي طالت معاناتها وجاء آوان تعويضها .
تقوية النخب العلمانية