لعل هذا التيار لم يعد يملك قبولا واسعا كما كان سابقا؛ إذ طغت عليه شعارات أخرى، إلا أن هذا التيار ما زال موجودا، ويقدم طرحا يعتبر السودان بلدا أفريقيا بحكم التاريخ والجغرافيا والتكوين السلالي، وأن العرب وافدون على السودان فعليهم الذوبان في ثقافة هذا البلد الذي وفدوا عليه، كما أنهم يحمّلون العرب ما يرونه تهميشا وقع عليهم وانتقاصا من حقوقهم؛ فالعرب في رأيهم قد حكموا السودان منذ استقلاله واستأثروا بثرواته ولم ينل (الأفارقة) من تلك الثروات إلا الفتات.
ويعتبر هؤلاء أن السودان عانى من حكم عروبي استعمر سكان السودان الأصليين، وأن على الأمور أن تعود إلى نصابها باعتبار السودان بلدا أفريقيا والانسلاخ من جامعة الدول العربية وقطع العلاقات المميزة التي تربط السودان بالعالم العربي والاتجاه إلى أفريقيا.
وتجلت هذه الدعوة في جمعيات أدبية وشعراء، من أشهرهم الشاعر محمد مفتاح الفيتوري (الذي تحوّل عروبيا فيما بعد) ؛ حيث أصدر عدة دواوين يتغنى فيها بأفريقيا والانتماء إليها، وكذلك فرق موسيقى الجاز التي ظهرت وحاولت أن تضفي بعدا أفريقيا على الثقافة السودانية. ولعل أبرز ممثل لهذا التيار سياسيا هو الحركة الشعبية لتحرير السودان التي وإن تغيرت أطروحاتها تجاه هذه القضية باتجاه السودنة والاعتراف بالثقافة العربية فإن البعض يعتبر ذلك تكتيكا سياسيا وليس نابعا عن قناعة حقيقية.
وقد بلغت بعض الرؤى في هذا المجال حدا من التطرف شبهت فيه السودان بالأندلس التي خرج منها العرب بعد حكم ثمانية قرون تقريبا، وأن العرب في السودان لا بد أن يخرجوا من السودان كما خرج عرب الأندلس.
السودانوية.. الطريق الثالث
ظهر هذا التيار نتاجا للدعوة لمدرسة"الغابة والصحراء"التي دعا إليها رواد الحركة الأدبية الحديثة في السودان، وكان على رأسها شعراء أشهرهم محمد عبد الحي الذي كتب قصيدته الشهيرة"العودة إلى سنار"التي قال فيها:
أنا منكم تائه عاد يغني بلسان
ويصلي بلسان
وسنار (عاصمة مملكة الفونج) في وجدان"السودانويين"رمز لامتزاج العروبة والأفريقانية، هذا الامتزاج الذي أنتج ثقافة سودانية عربية اللسان أفريقية الملامح.
ويرى هذا التيار أن الدعوات التي يصفها بالمتطرفة من الطرفين (العروبيين والأفريقانيين) قد أضرت بالسودان، وأنه لا بد من تجاوز هذين الطرحين إلى طرح أكثر شمولا يأخذ أفضل ما في الثقافتين العربية والأفريقية دون إغفال الخصوصية السودانية، ورغم أن مواقف هذا التيار أقل حدة تجاه العروبة فإنه ما زال يعتبر الانتماء العربي عبئا على السودان، وأن على السودان ألا"يكبل"بهذه العلاقة التي يرون أنها لم تجلب الخير له، كما أنها لم تستطع أن تدمج السودانيين في المحيط العربي.
ولعل"السودانوية"أصبحت موضة في السودان؛ فقد أصبحت الأحزاب والتيارات السياسية والثقافية تتبارى في إثبات ولائها لهذا الاتجاه وما يتبعه من جلد للتاريخ السوداني، ووصمه بحقبة السيطرة الشمالية العربية، وقد تحولت كثير من القوى الأفريقانية إلى الدعوة للسودانوية (الحركة الشعبية نموذجا) ؛ وهو ما أضعف التيار الداعي للأفريقانية كما قدمنا، وبغض النظر عما إذا كان هذا الإقبال على هذا الطرح تكتيكا مؤقتا أو إستراتيجية دائمة فإن المتابع للساحة السودانية يجد أن هذا التيار بدأ في البروز والانتشار؛ وهو ما يمهد لمنهج جديد في التعاطي مع قضايا الصراعات الدائرة في السودان.
رؤى متنافرة.. هل بالإمكان التعايش؟
في خضم التنازع الدائر حول هذه القضية يبقى السؤال: هل ستشهد سنوات السلام حسما لهذه القضية؟ وهل سنشهد تعريفا جديدا يأتي كنتاج للحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في مرحلة يفترض أن تكون لبناء الثقة؟ وهل ستنتهي الظلامات التي ظل البعض يجهر بها ويرفع بها عقيرته تحت شعار الدفاع عن الهويات المحلية ضد الاستعلاء العروبي والهيمنة الشمالية، أم أن المرحلة القادمة ستعيد كلا إلى معسكره؟ أسئلة نترك للأيام الإجابة عنها.
الأفريقانية والعروبة.. صراع دارفور في مرآة الهوية
ممدوح الشيخ**
في الحرب العالمية الثانية كان الزعيم السوفيتي ستالين يقول لجنود الجيش السوفيتي إن عليهم أن يحقدوا على الألمان حتى ينتصروا عليهم، وانتهت الحرب العالمية الثانية وزال النظام النازي وبقي الحقد في نفوس الروس. وفي عام 1972 وقّع المستشار الألماني السابق فيلي برانت اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي تنص على تسوية أي خلافات بين البلدين دون اللجوء للقوة، وكانت النخبة السياسية في البلدين من الوعي بحيث أقدما البلدان على عقد الاتفاقية متجاوزين الميراث القديم، أما الجماهير على الجانبين فكانت أسيرة"الحقد المقدس"، وعبّر القوميون الروس عن مشاعرهم إزاء الاتفاق بالبكاء -الحقيقي لا المجازي- فالحقد إذا انتشر وتجذر في وعي شعب تجاه شعب ما فمن الصعب بمكان إزالته، وهو أكثر وسائل الصراع خطورة.
صناعة"الحقد المقدس"
وفي أزمة دارفور لعبت صناعة"الحقد المقدس"دورا كبيرا في الوصول للأزمة الحالية، ولهذه الصناعة أدبيات ومقولات تشكل العمق الثقافي لهذه الأزمة. وسواء قبلنا أم لا فإن الهوية تظل وقودا للصراع حتى لو كانت مجرد لافتة تختفي خلفها المصالح نفطية كانت أو غير نفطية، والصراع السياسي على السودان نموذج مثالي لهذا الصراع بآلياته ومقولاته وأكاذيبه المخترعة بحرفية مدهشة!
الأزمة في دارفور -شأن أزمة الجنوب- جزء من مخطط لإعادة اختراع أفريقيا في ثوب جديد تماما. وقلب القارة الأفريقية يعيش حالة من التمزق والتشرذم غير موجودة في أي مكان آخر في العالم يؤججها بشكل أكثر حدة الصراع الأمريكي الفرنسي، والإطار العام للمخطط عزل الوجود العربي في شمال أفريقيا كمقدمة للتخلص منه نهائيا لاحقا. ويقوم المخطط على تقسيم القارة إلى ست دول بناء على مقاييس للتجانس الثقافي والديني، وفي ضوء هذه الخريطة السياسية تبدو معالم الخريطة الجديدة، حيث تقترح الورقة التي قدمت في مؤتمر كمبالا (1994) إلغاء حدود جميع الدول الأفريقية، وتقسيم القارة على النحو التالي:
1-جمهورية الصحراء وتمتد من مصر حتى موريتانيا، وتضم الجزء الشمالي من السودان.
2-جمهورية أفريقيا الوسطى وتضم أوغندا وكينيا وزائير وتشاد والكاميرون والكنغو وأفريقيا الوسطى، وتضم الجزء الجنوبي من السودان.
3-جمهورية سنغامبيريا (semganmberia) وتضم دول الحزام السوداني من السنغال إلى نيجريا مع استبعاد السودان.
4-جمهورية أريثوميا وتضم دول القرن الأفريقي إثيوبيا إريتريا الصومال.. جيبوتي مع ابتعاد السودان.
5-الجمهورية السواحيلية وتضم الدول الناطقة باللغة السواحيلية.
6-جمهورية موزامبيا وتضم كل دول الجنوب الأفريقي.
وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن تغييرات بهذا الحجم ستحدث على الفور بمجرد اندلاع تمرد في غرب السودان، كما لا يعني أن الأهداف البعيدة للمخطط تلغي عدالة مطالب سكان الإقليم، والاختبار الحقيقي هو في القدرة على نزع فتيل الأزمة على نحو لا يخدم المخطط النهائي.
"الصهينة"عبر القيم