ويجب التعرف على المواد الخام من البشر الصالحين ليكونوا أنصارًا للدعوات وجندًا للرسالات وأفضل العناصر لذلك هي جماهير العامة في المدن وأهل الريف والبادية خاصة كونهم على الفطرة . وبذلك تتحقق قوة المجتمعات من خلال نضج وتكامل عناصر القوة كلها في دائرة فاعلة وتناسق صحيح ، وهذه العناصر هي المعرفة والثروة والقدرة القتالية ، وقد حذرنا رسول الله من خطورة الانشقاق بين هذه العناصر فقال: (( ألا إن الكتاب( المتمثل بالشرع والعلم النافع ) والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب )). لذلك وحتى تنجح العملية والتجربة يجب أن يدور الحكام والأمراء في فلك العلماء المصلحون وليس العكس كما هو الآن أي حين تتبع وتدور كافة القيادات الاقتصادية والعسكرية والإدارية والسياسية في فلك القيادة الفكرية فسيكون النجاح المصير المحتوم . لذلك بعدما فتح القائد صلاح الدين الأيوبي القدس جاء الناس يهنؤوه بالنصر فقال لهم:"ادعوا الله لهؤلاء مجلس الشورى وهم العلماء الجالسون بجانبي أمثال موفق الدين ومحمد ابنا قدامه وابن نجار وغيرهم كثير"فهم الموجهون الحقيقيون والمستشارون الفكريون للسلطان .
أما في العصر الحديث فنجد السر في قوة الدول الكبرى هو تكامل المعرفة والقدرة القتالية والثروة واعتماد صانعي القرار ورجال التخطيط التنفيذ في دوائر الاقتصادية والعسكرية محل ما يقدمه لهم رجال الفكر والخبراء والعلماء العاملون في مراكز البحوث والدراسات ففي الولايات المتحدة حوالي عشرة آلاف مركز بحوث ودراسات متخصصة في بحث الشؤون السياسية والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتربية والعلوم العسكرية والقضاء والتجارة وشؤون الأقليات والأقطار الأخرى وهؤلاء ينتقون من الأوائل في صفوفهم منذ الدراسة الابتدائية حتى تخرجوا من أعلى مراتب الدراسات الجامعية بتقدير A أي بعلامة مئة بالمئة أو قريب منها . وكذلك الأمر في إسرائيل يتكامل ممثلو المعرفة والقدرة القتالية والثروة بشكل محكم ورائع .
أما الدول العربية فقد وصلت منذ زمن طويل إلى ما حذر منه رسول الله حين قال ( في آخر الزمن يكثر في أمتي الخطباء ويقل الفقهاء والعلماء ) .. والسلطات الحاكمة المستبدة افتقرت إلى النضج السياسي بسبب افتقارها إلى مراكز المعرفة وهذا أدى إلى إفراز نتائج سلبية هي: النتيجة الأولى لجوء السلطات الحاكمة إلى إقامة المؤسسات البوليسية كالأمن والمخابرات والمؤسسات الإعلامية , حيث ترصد حركات جماعة وأحزاب الإصلاح وتعتقل الناشطين من أعضائها , وتلحق بهم وبأسرهم ألوان الأذى النفسي والجسدي والضرر المعيشي بينما تقوم الثانية بتتبع عورات حركات الإصلاح والتشهير بمساقطها , والتشكيك بمقاصدها وتشويه سمعة أعضائها والنتيجة الثانية نشوء بيئة عامة مشحونة بالقلق والتوتر وانتفاء الأمن وعدم الثقة وشيوع الخوف , وانعكست آثارها السلبية على الأخلاق العامة وصار الطابع المميز لشبكة العلاقات العامة هو انتشار النفاق وفساد الذمم والانتهازية وانتقاص إنسانية الإنسان في جميع المواقف والميادين والنتيجة الثالثة حيرة الجماهير ودهشتها أمام الصراع الجاري بين السلطة وحركات الإصلاح والنتيجة الرابعة حذر الخيرِّين من ممثلي الثروة وترددهم عن التعاون مع حركات الإصلاح والخوف من مفاجآت السلطة وانفعالاتها ولذلك لم يتجاوبوا مع سياستها ووعودها . والنتيجة الخامسة هي انقسام جماعات الإصلاح إلى قسمين: قسم مال إلى مهادنة السلطة وتملقها ورضي بالا عطيات التي تجود بها تحت ستار التعددية والديمقراطية , وقسم اختار السلبية التي تصاعدت وانتهت إلى التطرف والصدام المسلح مع السلطات الرسمية الحاكمة مما أدى إلى تجريم مسارات الإصلاح وسلبها شعبيتها وقتل فاعليتها . ثم كانت المحصلة النهائية لتفاعل هذه النتائج الخمسة هي استنزاف المقدرات وتبديد الطاقات وتوجيه عناصر القوة الأربعة عناصر المعرفة والثروة والمهارات السياسية والقدرة القتالية إلى نحور أهلها وجعلهم يخربون بيوتهم بأيديهم , وتظل الحاجة الملحة قائمة إلى الاستراتيجية الصافية التي تنتقي الألوف من أولي الألباب ممن يكونون أوائل الصفوف الدراسية ويحصلون على ما يزيد عن تسعين بالمئة في امتحان الثانوية ثم يجري إعدادهم وتربيتهم ليكونوا فريقين: فريق يتسلم القيادة الفكرية وتتجمع في مراكز الدراسات والبحوث ليتفكروا في مشكلات العالم الإسلامي ويبصروا قوانين الله في بناء المجتمعات وهدمها . وفريق يتسلم القيادة السياسية ويحول هذه القوانين إلى سياسات وخطط واستراتيجيات وبذلك تتكامل الطاقات والمؤسسات ويظهر جيل العلم والإيمان جيل صلاح الدين الجديد وتعود القدس للمسلمين وينتشر الإسلام في العالم ونبني حضارة إسلامية روحية تفوق حضارة الغرب المادية ، وبذلك نكسب الدنيا والآخرة ونرضي الله سبحانه الذي كلف الأمة الإسلامية أن تنشر الدعوة في أرجاء الأرض فكان لهذا التكليف حكمة معينة في تقدير الله وكانت له كذلك مقتضيات ، فأما الحكمة فهي كون الرسول هو خاتم الأنبياء وقد أرسل إلى البشرية كافة وإلى آخر الزمان ، وإن أمته تحمل رسالته من بعده بخصوصيتها هاتين أنها للبشر كافة وللزمن المقبل كله ، وأما ما يترتب على ذلك فهو فرض الجهاد على هذه الأمة لتوصيل الدعوة إلى آفاق الأرض ، ولم يكن الجهاد من أجل فرض العقيدة على الناس إذ لا إكراه في الدين ، إنما كان الجهاد من أجل أمر آخر هو إزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين الاستماع إلى الحق كما هو على حقيقته متمثلة تلك العقبات في نظم جاهلية تحميها جيوش جاهلية ، فإذا أزيلت هذه العقبات فالناس أحرار يختارون لأنفسهم ما يقتنعون به بغير إكراه فالإسلام بهذا هو أكبر حركة تحريرية في تاريخ البشرية تحرر الإنسان من العبوديات الزائفة كلها مثل العبودية للأصنام والعبودية للقبيلة والعبودية للآباء والأجداد والعبودية للهوى والشهوات والعبودية للطواغيت ، فالإسلام هو الوجه المقابل للجهل بحقيقة الله الواحد الصمد المقصود بقضاء حوائج الكائنات كلها ، وبالله المستعان على ما يصفون والحمد لله رب العالمين .
ـ المرجع كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس للعلامة الدكتور ماجد عرسان الكيلاني
الإسلام والغرب شقاق أم وفاق
إعداد: نصر بن محمد الصنقري
المقدمة:
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } أما بعد: