جئت من طريق أخرى.. فقال: من على الحدود؟؟ اقبضوا عليه إنه عدو لليهود.. قلت: ويحك، أليس لي مكان في الوجود؟!! أو دار أم أبقى مسافرًا في كل قطار؟
سرت في البر وركبت البحر وما دخلت بلدًا إلاّ وقيل لي من أنت؟؟ فأنا من البشر ولي حقوق البشر.. قالوا: أنت من الدول العربية وهويتك كل القضية.. قلت: الآن عرفت نفسي ووجدت ذاتي.. ردّ علي بصوت قائلًا: ألك حقوق مغصوبة؟؟! قلت: نعم.. قال: تنازل عنها يُسمح لك بالمرور.. قلت: كيف؟؟ قال: تبقى خلف الجدار، خيمة لا دار، بل ستكون عيشتك تسلل، عيشة الهر والفار..
عندها أدركْت نفسي، وحددت معالم شخصي، وعرفت جواز سفري.. فأنا الأرض المسلوبة والكلمة الممنوعة، وأنا المتهم في كل نادٍٍ وعلى رأس القمم لأن تجاعيد وجهي تثبت عراقة أصلي، وسواد جبيني يعلمهم أصول ديني، فأنا بكل فخر إسلامي محمدي عربي فلسطيني.. فهذه أول التهم.
وثانيها: رفض الزنازن استقبالي.. لكثرة ما دوّنت أسمائي على جدرانها، وما رأيت بياض نهارها.. بل أسهرني أنين سكانها، منذ زمن ما جفّت لأمّي وأختي وبناتي دموع.. بل وخالاتي وعمّاتي أطفأت كل الشموع.
وثالثها: وكيس الطحين وبطانية الشتاء.. هذا هو كل الغذاء والكساء.
سجّل تاريخ حياتي، سلبوا بيتي، أخذوا أرضي، هدموا داري، قتلوا أولادي، شنقوا خالي، سجنوا ابني فادي.. ما عدت أحتمل، لكن الصبر مفتاح الفرج، فأيوب - عليه السلام - سكن هذه الأرض، وزرع فيها الصبر، وعلّم الصدق (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب) فأنا المظلوم وأنا المقهور وأنا الصابر دون الناس، فلا أنسى أولى القبلتين ولا مسقط الرأس ونور العينين، ولا أنسى جبل الزيتون والكرمة والليمون، فداري بعيدة وأنا أراها قريبة، لكن الوصول إليها أبعد من السماء عن الأرض، لأن الأهل والجيران تركوا ذاك الفرض واستبدلوا الاسم السامي ذروة سنام الإسلام بالحب والتعايش بأمْن وسلام.
المثقفون العرب بين غياب المنهجية وضياع الهوية
عبد الله بن علي الريمي
ربما يمكننا القول أن العصر الحديث يعاني من نقص في المجددين في الأدب عمومًا .. وأن مواكبة الحضارة أضعفت الأدب القديم في كل مراحله، مما أدى إلى ظهور تيارات أدبية جديدة تتكلم بلساننا، ولكن تحوي أفكارًا دخيلة علينا لا ترتبط بأمتنا، ولا تخدم قضايانا..بل تضرب على نغمات مكررة يحسبها السامع شيئًا، فإذا تأملها وجدها جوفاء، وأصبح لهذا النوع من الأدب وهذا الصنف من الأدباء جمهوره من صغار السن والمراهقين من الجنسين، وضرب هذا الصنف على أوتار متكررة ينادي بها كل واهم ممن يجرون خلف السراب، فتارة يمجدون المرأة، وتارة يطالبون بحريتها وحقوقها، ثم يميلون عليها مرة أخرى فيجردونها من كل القيم والفضائل فلا تراها إلا عشيقة لهم ومطية لشهواتهم. ولكن مثل هذا الفكر الدخيل والمفسد للمجتمع ترفضه العقول النقية، لأسباب يمكن تصنيفها في سببين رئيسين وهما:
أولًا: المنهجية:
نحن أمة مسلمة قبل كل شيء، والداخل علينا من الأفكار ربما يمس معتقدًا فنرفضه كقول أبي العلاء المعري:
ضحكنا.. وكان الضحك منا سفاهة *** وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيام.. حتى كأننا زجاج *** ولكن لا يعاد لنا سبك
فهذان البيتان ربما يكونان جميلين من الناحية اللغوية، ولكنهما تنكران البعث ويخالفان أصلًا من أصول الاعتقاد، ولذلك رفضهما العلماء حتى رد عليه أحدهم بقوله:
كذبت ورب البيت.. حلفة صادق *** سيسبكها بعد النوى من له الملك
وترجع أجسامًا صحاحًا سليمة *** تعارف في الفردوس ما عندنا شك
فكون القائل أديبًا معروفًا، أو كون الكلام شعرًا موزونًا؛ فإن هذا لا يعني قبول الكلام دون أن نعرضه على الشريعة، فنرى هل تقبله أو لا ؟.. وقد يكون الكلام لا يعارض معتقدًا، ولكنه يُحسِّن محرمًا ويدعو إليه ويحسن الفحشاء. فهما أمران في المنهجية إذًا:
ـ ألا يحسِّن بدعة أو أمرًا شركيًا يعارض أصلًا من أصول الدين.
ـ وألاَّ يحسِّن فحشًا أو معصية، ويدخل ضمن ذلك من يُشبّب بالنساء ويصف محاسنهنَّ بكلمات خادشة، فتراه يصف القوام والأفخاذ ومواطن العفة أو يصف خمرًا، وغير ذلك مما يخجل منه الأحرار والله المستعان.
ثانيًا: قوة المعاني والمباني:
والمعاني تخدم في قوتها المنهج الذي ذكرناه، والمباني من الأمور المتعلقة بالناحية الفنية للأدب.. قرأتُ لعدة شعراء قبل فترة كلامًا يصفونه بالشعر، ومنه على سبيل المثال:"وأكثف رغوة من صابون الحلاقة"!!. وكنتُ أتعجب حقيقة من هذا التصنيف الجارح للأدب والأدباء.
إن الأدب الإسلامي لا يعنيني كمادة مستقلة، بل يهمني لأنه جزء من منظومة تربوية تخدم الأمة ومصالحها وتربي أفرادها، وإلاَّ لو كنت أعنيه كمادة لاستطعنا أن نضيف بعض الشعراء ممن يتغنون باسم الدين وينظمون الأبيات ثم نجد في النهاية أنها في مولد، أو عند قبر، تبكي صاحبه، وتتبرك به، وتندب يوم وفاته ثم ترفعه إلى منزلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الصحابة - رضي الله عنهم - وأرضاهم.
وكلمة"المثقفون العرب"أصبحت واسعة ودخل فيها من يكتب باسمها ليهدمها، ضاربًا بكل معاني الشرع عرض الحائط؛ ولأن الكلمة لا تعني بالضرورة توحد المنهج فقد فتح هذا أبوابًا من الانحراف خلف أفكارًا ومعتقدات أخرى لا تعنينا كمسلمين، وأصبح المثقف المسلم يخجل من انتمائه إلى أمة التوحيد، ويرى في طرح هذا العربي أو ذاك تميزًا يتمنى أن يواكبه، دون أن يدرك أن هذا إنما يتكلم بمعتقده وأنه يخالفه في أصول الدين.
هناك أسماء أدبية لامعة تستحق منا الوقوف عندها ودراستها كأمثال"وليد الأعظمي"، و"عصام العطار"، و"باكثير"، و"الكيلاني"؛ وغيرهم من الأساتذة الأدباء والشعراء ممن حركت الشريعة كلماتهم فذبوا عنها في كل موطن، وعرضوا لنا فكرًا نقيًا أصيلًا يرفه عن المسلم ويحمي عرضه من الفساد. فهذه الأقلام ميّزها أمران:
ــ التوجه الصادق الموافق للشريعة.
ــ القوة من حيث المعنى والمبنى والتحكم بمواد اللغة واستخداماتها.
إن ذلك الأديب الذي يقضي وقته ليكتب ديوانًا يصف فيه عورات النساء إنما يحاول أن يهتك أستار بيوتنا ويفضح أخواتنا ونساءنا، وهذا غاية ما يريده الشهوانيون، ولا أتوقع أن رجلًا غيورًا ولو لم يكن مسلمًا يرضى أن يأتي شاعر أو كاتب فيصف عورات أهل بيته، فما بالنا انجرفنا وخدعنا خلف هذا النوع من الكتَّاب.
إننا في حاجة للأديب والكاتب المربي، الذي يكمل دور الداعية والمدرس والشيخ وعالم الذرة و...، كل واحد منهم يكمل المسيرة التربوية من خلال عمله ويأتي الأديب ليصوغ العبارة فتكون كما قال - صلى الله عليه وسلم - في شأن حسَّان بن ثابت - رضي الله عنه - في شعره:"لهو أشد على القوم من نضح النبل". أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.
اتفاق السلام الاخير هل سلب السودان هويته العربية والإسلامية؟
محمد جمال عرفة
8/6/1426هـ
أصبح يوم 9 يوليه الجاري 2005 يومًا مشهودًا في حياة السودانيين، فهو في نظر الكثيرين منهم يوم السلام، وبدء الهدوء، وانتهاء الحرب رسميًا في السودان لأول مرة منذ 22 عامًا، بعدما بدأ تنفيذ اتفاقات السلام الثماني الموقعة بين الشمال والجنوب السوداني والتي جري جمعها في (اتفاقية نيفاشا) في 9 يناير 2005.