ولقد أحاطت آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم المسلم بسياج متين من أن يندمج بغيره أو يفقد هويته، هذا ما أطلق عليه الدكتور طه جابر العلواني ( الحاجز النفسي) حيث ذكر أن النصرانية تضع حول أتباعها حاجزًا نفسيًا حتى لا يندمجوا بغيرهم ويفقدوا هويتهم. وصاح بعض كبار قساوستهم عندما رأى شباب أمته يقلدون المسلمين في ملبسهم ومأكلهم ولغتهم حتى إن بعض أبناء النصارى أصبح يكتب الشعر باللغة العربية ولا يحسن اللاتينية لغة قومه، وقال غاضبًا لئن لم يرعو هؤلاء عن تقليد المسلمين فإن الكنيسة ستنزل بهم العقاب. وليس كاليهود في منع أتباع ديانتهم من الذوبان في الأمم الأخرى فهم يزعمون أنهم (شعب الله المختار) بل مضوا أبعد من ذلك فعاشوا في أحياء خاصة بهم أطلق عليها (الجيتو) وأصروا على ارتداء ملابس خاصة وقص شعرهم بطريقة خاصة حتى أصبح تطويل السوالف من الأمور التي ميزت اليهود.
استقلالية الهوية أمر مهم وخطير ينبغي أن نغرسها في نفوس أبنائنا وبناتنا مع حليب أمهاتهم. بل قبل ذلك نغرسها في نفوس الآباء والأمهات لينقلوها إلى الأبناء. لا يمكن المحافظة على استقلالية الهوية دون معرفة هذه الهوية بالتفصيل من أصغر سلوك إلى أكبر قضية في الأمة وهي الحكم الذي يعيشون في ظله. وأصغر الأشياء التي لا تبدو مهمة ولكنها جزء من الهوية أن يبدأ الإنسان ارتداء النعلين باليمين وعندما يخلعهما يبدأ بالشمال. وفي دخول المسجد وفي الخروج منه، وعندما يطفئ المصباح في الليل أو يبقي باب بيت الخلاء مغلقًا.
بعد المعرفة يأتي الاعتزاز، والاعتزاز يقود إلى المحافظة والاستقلال، بل إن ذلك يقود إلى دعوة الآخرين إلى هذه الهوية.
ولكن مر بالأمة الإسلامية أزمنة بدأت فيها تفقد هويتها ويرجعها الدكتور طه جابر العلواني إلى التنازلات التي بدأ تقديمها بعض السلاطين العثمانيين بدعوى التسامح مع الكفار. وكان تسامحًا حقا،ً ولكن في غير محله وذلك حين تركوا للقناصل الأجنبية أن تعيث في بلادهم وأن تستوطن وتؤثر. ثم جاءت الطامة الكبرى في فتح المدارس الأجنبية في بلاد المسلمين وظهور هذه المدارس بأنها الأرقى وأن المدارس الإسلامية مدارس متخلفة. وقد صرح كرومر حاكم مصر في عهد الاحتلال بأن أبناء مدرسة فيكتوريا سيكونون جسرًا بين الثقافة الإسلامية والثقافة الأجنبية. وهي عبارة مخففة أن هؤلاء سيكونون أتباعًا للغرب ينادون بالهوية الغربية ويحاربون الإسلام والمسلمين.
وفي الجزائر أنشأت فرنسا عددًا من المدارس سميت زورًا ( المدارس العربية) وصف الشيخ محمد السعيد الزاهري_أحد علماء الجزائر- تلامذتها بأنهم لا يصلون ولا يصومون ويتحدثون فيما بينهم باللغة الفرنسية بل إنهم - في رأيه- لا يكادون يؤمنون بالله وباليوم الآخر.
وجاء الاحتلال الأجنبي لمعظم الديار الإسلامية ليعمق الشعور بالتخلف وانتشر بيننا الفقر والجوع والمرض، ونُسب كل ذلك ظلمًا للإسلام. فكيف نتمسك بالإسلام أو بالهوية الإسلامية ونحن نرى هذه الأوبئة خاصة بديار المسلمين؟
وكما قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله جاء نابليون إلى مصر وأراد أن يأخذ عددًا من الأشراف وشيوخ القبائل ورؤساء الناس ليعيشوا في فرنسا فترة من الزمن فيتشبعوا بالحضارة الفرنسية حتى إذا عادوا إلى بلادهم كانوا أعوانًا لفرنسا. ولمّا لم يتم ذلك تفتقت عبقرية مستشاري محمد علي باشا -سرششمة_ عن فكرة إرسال عدد من أبناء مصر النابهين للدراسة في فرنسا، وهناك يعيشون بين ظهران الفرنسيين فيتأثرون بهم. وقد وردت في المراسلات الخاصة بالمبتعثين المغاربة أن المشرف على البعثة لما أكمل الطلاب مدة ابتعاثهم طلب أن يبقوا في فرنسا بعض الوقت ليتشبعوا بالحياة الفرنسية والحضارة الفرنسية.
وغزينا في عقر دارنا بالإعلام صحافة وإذاعة وتلفازًا وقنوات فضائية. فكان من أوائل من عمل في الصحافة النصارى وبخاصة نصارى لبنان، فبثوا من خلالها السموم لمحاربة الهوية الإسلامية. واستمرت سيطرتهم على الإعلام حتى إن السينما المصرية وهي رائدة السينما في العالم الإسلامي بدأها أناس من اليهود فكانت أداة لمحاربة الهوية الإسلامية.وكذلك كان المسرح وظهرت الفرق المختلفة منها على سبيل المثال فرقة (فاطمة رشدي) التي كانت تقدم قصص جورجي زيدان وتسيء إلى التاريخ الإسلامي والهوية الإسلامية، حتى إن بعض علماء الجزائر قال لها إنك امرأة مسلمة واسمك فاطمة فما هذا السفور والاختلاط ولماذا تؤدين مسرحيات جورجي زيدان التي تفتري على التاريخ الإٍسلامي. فأجابت إجابات غير شافية أنهاعفيفة وشريفة وإن سفرت عن وجهها وشعرها.
التبعية اليوم في الهوية إنما هي جزء من الروح الانهزامية التي انتشرت في هذه الأمة بسبب جهلها بحقيقة هويتها وبانهيار الحاجز النفسي، وأذكر في هذا المجال ما قاله وزير خارجية دولة العدو الصهيوني حينما أسقطت بعض دول الخليج المقاطعة الاقتصادية من الدرجة الثالثة قال ليس المهم ما نحققه من مكاسب اقتصادية بقدر ما حققناه من بداية انهيار الحاجز النفسي.
نعم نحن بحاجة إلى حملة كبيرة لاستعادة الهوية الإسلامية والتأكيد على استقلاليتها. وأود أن أذكر كلمة عن برنامج لممثل مشهور (عالم الصغار) حيث سأل دريد الطفل أنت تريد أن تكون مدير إذن سيكون لك سكرتيرة فقال الطفل وإذا كانت جميلة فسأتزوجها. فقلت أين عالم مسلم أو فنان مسلم يعلم الأطفال ويحاورهم ليؤكد في نفوسهم الهوية الإسلامية وليس الهوية التي تقوم على وجود سكرتيرة تكون بينها وبين المدير ما لا يرضي الله ولا رسوله.
إن العولمة أو ما يطلق عليه البعض الأمركة تريد أن تذيب الهويات كلها في هوية واحدة هي هوية الجينز وهوية الهامبورجر والموسيقى الصاخبة. إنها لا تخيف الأمة الإسلامية، بل إنه تحد لهم ليقدموا للعالم أن يعرفوا هويتهم أولًا ثم ينتقلوا إلى العيش بهذه الهوية وتطبيقها في شؤون حياتهم كلها. وبعد ذلك ينطلقون ليقدموها للعالم، وأذكر لقاءً جمعني بالشيخ أحمد ديدات رحمه الله حين طلبت منه أن يزور قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة قبل أكثر من خمس عشرة سنة حيث قال لي:"لعلكم في هذا القسم تنتظرون الغربيين أن ينتقدوا الإسلام ويشوهوه ثم تردون عليهم بما يسمى الدفاع التبريري، عليكم أن تخرجوا إليهم لتقولوا لهم إنكم بحاجة إلى الإسلام لأنكم تعيشون حياة تعيسة، انظر إلى مدينة نيويورك مثلًا كم عدد الشواذ جنسيًا فيها؟ كم عدد المدمنين على المخدرات أو الكحول؟ كم عدد حالات الطلاق ؟ كم عدد حالات القتل أو السرقة؟ إنكم بحاجة إلى الإسلام ليصلح لكم أحوالكم وأموركم"، وكان ديدات رحمه الله صادقًا فقد خرجت مجلة اجتماعية لندنية بعنوان ضخم (مستقبل لندن الإسلامي) في شهر يونيه 2007م تتحدث عن حاجة لندن (بريطانيا والعالم أجمع) إلى الإسلام - وهو موضوع مقالة أخرى إن شاء الله- فهل نحافظ على استقلال الهوية الإسلامية ؟
التغريب في ديار الإسلام
محمد حسن يوسف
عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!! [1]