كذلك بالمنظمات الدولية وما يعرف بالدبلوماسية باعتبارها الشيء الوحيد المنظم لعلاقة الدول ببعض. لذلك كلما ازداد القتال اليهودي للفلسطينيين سارعت الدول لاستخراج إدانة الأمم المتحدة.5. إيجاد منظومة متكاملة من الهوية للمنتمين لهذه الدولة من خلال الإعلام والتعليم، وذلك من خلال محاولة عمل عمق تاريخي وثقافي لهذا الفكر من خلال اصطناع أمجاد له. (على سبيل المثال ما يعرف بثورة 19 المصرية والتي أسفرت عن لا شيء، وكذلك ما عرف باسم ثورة 52 هذا في الناحية التاريخية، أما الثقافة من خلال التركيز على بعض جوانب الثقافات المحلية وإبرازها بحيث تعطي انفرادًا وتميزًا للمواطنين من مثل أغاني سيد درويش، وتماثيل محمود مختار) هذه المنظومة المتكاملة أيضًا أضافت قيمًا لم تكن موجودة من قبل لدى المسلمين، وأعلت من شأنها مثل: الوطنية، والتي تعد ميزة للشخص وكأن أفضل الناس أشدهم وطنية. (تحدثت بهذا كثير من الأعمال الفنية لدرجة أن الراقصة التي تساعد في عمليات مقاومة الاحتلال ضد الإنجليز فهي ذات فضل وشأن عظيم) .أيضًا أضافت هذه المنظومة عددًا من المفردات اللغوية الجديدة وجعلتها عوضًا عن بعض المصطلحات الإسلامية من مثل: الوحدة الوطنية، التحرر الوطني، الموت في سبيل الوطن.6. فرض السيطرة الأمنية التامة على كل ما يخالف أصل هذه الأنظمة مثل ما يسمى بالوحدة الوطنية أو نظام الحكم الديموقراطي ولو بالبطش غير الآدمي.7. لا شك أن فكرة الدولة القومية ليست مجرد فكرة، بل هي واقع متجسد في دولة مدنية حقيقية ذات مؤسسات وله منظومة متكاملة من الدساتير والقوانين. إن هذه الدولة متمثلة في جيش، وفي شرطة وجهاز أمن، وفي أجهزة قضائية، وفي أجهزة الإعلام، مثل: الصحافة والتلفزيون، وفي أحزاب سياسية بل وفي عدد كبير من المثقفين والمفكرين والكتاب. إذًا فنحن أمام الملايين ممن آمنوا بهذه الفكرة ويعملون كجزء من منظومتها.8 اختلط داخل نادي الدولة القومية الكثير من الفرقاء، فقد اجتمع الشيوعيون مع الرأسماليين مع العلمانيين مع المتدينين مع المتصوفين، وأصبح الجميع مواطنين في دولة واحدة، ويكتبون في جريدة واحدة، ويتحدثون في ندوة واحدة، ويدرسون في جامعة واحدة، وينتمون لجيش واحد وشرطة واحدة وقضاء واحد.وأود أن أنبه أنني لا أتحدث هنا عن (نظرية المؤامرة) أو عن التدخل الخارجي، نعم هناك تدخل خارجي؛ لأن أنظمة الحكم هذه قد أصبحت هي أفضل الأوضاع بالنسبة للدول الغربية ولا شك، كما أنها تدعمها ولا شك، ويستفيد من هذا الدعم الكثيرون ممن تولى حكم البلاد ولا شك. إذن أين الفتنة؟ولكن عنوان المقال، هو: الفتنة. الحقيقة أن كثيرًا من الناس المنتمين لهذا الفكر ولهذه الهوية هم في فتنة، وقد أوقعوا غيرهم في فتنة، فهم - كما أشرت - يرون أنه لا تعارض بين انتمائهم لفكرة القومية وبين إسلامهم، بل هناك الكثيرون المتدينون من المؤمنين بهذه الفكرة. إن من تحدثت عنهم في النقطة رقم 7 يتعدى تعدادهم الملايين ولا شك وكثير منهم على دين، وهم يرون أنه لا تعارض بين مؤسسات هذه الدول وأنظمة هذه الدول وبين الإسلام، وأكثر ما شجعهم على ذلك وجود الكثير من الشيوخ الذين لا يجدون غضاضة في هذه الصورة على هذا النمط للدولة، بل وأحيانًا يضعون لها النظريات! إن هؤلاء المسلمين المنخدعين بفتنة القومية هم في الحقيقة ذخر للإسلام ولا شك، وعندما يبين الحق سوف يعلم هؤلاء كم كانوا مخدوعين.ومن هنا أرى أن فتنة الدولة القومية المدنية هي من أكبر الفتن التي حلت بالمسلمين وراح ضحيتها الكثير من المسلمين، سواء من أصحابها المؤمنين بها أو من المعارضين لها، وقد استهلكت هذه الفتنة في رحاها الكثير من الوقت والمال والأنفس.تمثل ذلك في القمع الكبير الذي وجهته هذه الحركات للأصوات الإسلامية، ومعارضة الكثير من الحركات الإسلامية التي وصلت لحد القتال المسلح، وما الذي حدث في مصر والجزائر وغيرها من الدول الإسلامية إلا دليل على ذلك، ولكن لن أتحدث هاهنا عن عيوب مواجهة الحركات الإسلامية للفكر القومي فلها مقام آخر.سقوط الأقنعة:-وهنا يأتي الغرض من هذا المقال بعد هذه المقدمة. أشرت سابقًا إلى الإشكالية التي وقع فيها أصحاب الفكر القومي من ادعاء عدم تعارض الإسلام مع أفكارهم، وأشرت أيضًا إلى تورط الكثير من الانتهازيين والاستبداديين والعلمانيين وغيرهم في حركة الفكر القومي، لقد حاول هؤلاء التذرع بكل الأشكال ليفرضوا على الناس رؤيتهم وقناعتهم. لقد تناسى هؤلاء أن الصراع بين المسلمين واليهود هو صراع بين ديانتين بين مؤمنين وكفار، وأرادوا أن يلهوا الناس عن هذه القضية، فبينما تتعالى أصوات اليهود بإسرائيل الكبرى الموعودة في التوراة نجدهم يتحدثون عن التعايش السلمي. لقد فضل هؤلاء لمصالحهم الشخصية أن يسقطوا فريضة الجهاد، فبعد أن قالوا: إن الجهاد الإسلامي لا يكون طلبيًا وإنما يكون لدفع العدو، فإذا بهم الآن يصفون من يقتل المدنيين الأبرياء من الإسرائليين المحاربين يصفونه بالإرهابي، ووقعوا في حيرة مع الوضوح السافر لحرب أمريكا، ولكنهم يقولون:"أمريكا لا تحارب الإسلام وإنما تحارب الإرهاب"، وما دام الأمريكان يحاربون الأصولية الإسلامية فأهلا ومرحبا، فهي الهم والعبء الذي أراد الجميع التخلص منه:-ولكن الإشكالية الحقيقية والتحدي الذي سيفضح هؤلاء جميعًا، وسيبين لهؤلاء المفتونين بهذه الفكرة والمجتمعين حولها هي الإصرار الواضح على ضرب اليهود والأمريكان لمظاهر الإسلام، وظهور ذلك منهم بشكل جلي يظهر في كتاباتهم (أمثال: فوكويا ما، وهنتجتون) ، وفي أقوالهم (بيرلسكوني، وبوش، وشارون) ، وأفعالهم التي لا تحتاج لضرب مثل!"قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر" [آل عمران: 118] .سوف يزيد في الأيام القادمة جلاء الأمر وستتهاوى الأقنعة عما وراءها، وستظهر القلوب ما في مكنوناتها. ستتهاوى أقنعة هؤلاء الذين يلبسون قناع القومية ليظهر من ورائها العلماني والملحد والعميل والمداهن والمؤمن."تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه"رواه مسلم (144) من حديث حذيفة - رضي الله عنه - .وأيضًا في الحديث الحسن:"ثُمّ فِتْنَةُ الدّهْيْمَاءِ لا تَدَعُ أحَدًا مِنْ هَذِهِ الأمّةِ إلاّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فإذَا قِيلَ انقضت تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتّى يَصِيرَ النّاسُ إلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إيْمَانٍ لا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لا إيْمَانَ فِيهِ"رواه أبو داود (4242) وأحمد (6168) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.
تقسيم التوحيدي:سلاح أمريكي جديد!
د. محمد يحيى * 18/10/1423