فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 719

أولًا ما ذكرته في موضوع (عمر هذه الأمة) وأشراط الساعة، فقد جعلته مادة لحديثي البارحة في درس منزلي نقلناه عبر الإنترنت، وسينزل شريطًا ضمن صوتيات الموقع باسم (تصحيح المفاهيم رقم 3) حبذا أن تستمع إليه، وفي انتظار رأيك المبارك.ثانيًا: قرأت بحثكم الطيب حول الدولة القومية والبحث فيه لفتات مهمة، لكن ربما كان الاختصار الشديد سببًا في عدم تجليته لبعض القضايا.مثل: موقف الإسلام من الوطنية، وأن الدفاع عن الوطن ضد الغاصبين والمحتلين هو من مطالب الشريعة, وأن الذاهب فيه شهيد إذا حسنت نيته وفي الحديث:"من قتل دون ماله فهو شهيد"رواه البخاري (2480) ، ومسلم (141) عن ابن عمرو - رضي الله عنهما - وروى الترمذي (1421) والنسائي (4095) وأبو داود (4772) من حديث سعيد بن زيد - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد". ومثل: الاستفادة من المؤسسات المدنية القائمة, وأن المصلحة الشرعية تقتضي الحرص على جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليها، وأن المشاركة من الخيرين هي لب المصلحة -فيما أرى - باعتبار هذا أمرًا واقعًا لا بد من التعامل معه، وإذا لم يمكن دفعه بالكلية فإن من الممكن تخفيفه. والله المستعان،بارك الله فيكم ووفقكم.ملحقالفتنةسوف أتحدث هنا عن فتنة كبيرة عمت المسلمين - على وجه الخصوص في بلدي والكثير من البلدان الإسلامية؛ وهي فتنة القومية.ومقالتي هنا ليست درسًا تاريخيًا ولا هي نقد للفكرة القومية، وإنما هي نوع من الرصد للواقع الحالي مع استقراء لما قد يكون عليه الحال في المدة القادمة.مقدمة تاريخية سريعة:ظهرت دعوات الهوية القومية بناء على الضعف الذي أصاب المسلمين في القرن الماضي، وكان الدعاة الأوائل لها من النصارى من أمثال: أنطون سعادة، وميشيل عفلق، وجورج أنطونيوس، كما هو معروف للباحثين في هذا الشأن. ولقد ظهرت هذه الدعوات في جزء كبير منها كرد فعل لظهور القومية التركية وإحساس الأتراك بالذات والتفوق على الأجناس التي يحكمونها، وبدأت هذه الدعوات في الانتشار في الدول الإسلامية، وعلى وجه الخصوص تركيا وبقية الدول العربية، وأيضًا بقايا أجزاء الدولة العثمانية، مثل: شعوب الصرب والبلغار والبلقان، ونستطيع أن نقول: إن بدايات القرن الرابع عشر الهجري - (القرن العشرين) إبان الحرب العالمية الأولى - كانت مرحلة فاصلة في تاريخ البشرية أجمع بما فيها أمة الإسلام. تغيرت دول، ورسمت خريطة العالم عدة مرات، وسقطت الخلافة الإسلامية والتي كانت لا شك آنذاك لا تعدو إلا رمزًا أكثر منها كيانًا حقيقيًا، وظهرت فتنة الدولة الحديثة المدنية والقومية تطغى على عقول المفكرين والساسة في الدول الإسلامية باعتبارها عنوانًا للمرحلة الجديدة. لا بد هنا أن نشير إلى تجربة خطيرة، وهي: الثورة العربية التي قادها الشريف حسين أمير مكة عام 1916م، والتي دعمها البريطانيون للتخلص من السيادة العثمانية باعتبار أن هذه التجربة تظهر كيف استطاعت هذه الفكرة أن تتحول إلى حركة. لقد بَترت تركيا نفسها تمامًا عن المرحلة السابقة ذات الهوية الإسلامية، بينما حاولت الدول العربية الأخرى إيجاد صيغة أخرى للتوفيق بين الفكر القومي مع المرحلة الإسلامية، وبدأت هذه الدعوة يتميز كتابها ومنظروها والحريصون على التوفيق بينها وبين المرحلة السابقة، بل وشارك بالفعل عدد من الشيوخ في التأكيد على أنه لا تعارض تمامًا بين الفكر القومي والإسلام (في مصر على سبيل المثال: الأفغاني ومحمد عبده) . لقد كانت حركات التحرر ما قبل سعد زغلول ذات انتماء إسلامي، مثل: حركة أحمد عرابي، ومصطفى كامل، ولكن ابتداء من حركة سعد زغلول ظهر شعار (عاش الهلال مع الصليب) و (مصر للمصريين) ، وكانت بداية للقومية المصرية.لقد حاربت الشعوب العربية على وجه الخصوص الاحتلال التركي ومعه الاحتلال البريطاني والفرنسي، وعلى الرغم من أن الحركة القومية داخل تركيا والدول العربية كانت سببًا في القضاء على الخلافة العثمانية، ولكنها لم تقدم إنجازًا حقيقيًا في إخراج الاحتلال البريطاني والفرنسي، والذي خرج من تلقاء نفسه بعد تغير نظام العالم وضعف الدولتين الفرنسية والبريطانية وبزوغ نجم أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية.ومع بداية الخمسينيات وظهور الانقلابات العسكرية على النظم الملكية في العديد من الدول العربية، أخذت الدولة القومية المدنية تأخذ مرحلة جديدة وبعدًا آخر، فلقد بدأت تتبلور أكثر مفاهيم القومية العربية، وتخلص الانتماء العربي من أي انتماءات أخرى مثل الانتماءات المحلية. والقاسم المشترك بين كل من هذه الأنظمة العسكرية هو قمع جميع مظاهر الفكر والحركة الإسلاميين، والذي بدا لهذه الأنظمة كالمارد المحبوس الذي يخشى خروجه من قمقمه، وأصبح بوسع هذه الأنظمة تقبل أي فكر أو مذهب طالما كان داخل المنظومة القومية كائنًا ما كان حتى ولو شطح الإلحاد.ولكن فكرة القومية العربية الواحدة بدأت في الانحسار، وبدأت تظهر القوميات المحلية مرة أخرى، خاصة بعد موت عبد الناصر وما كان من اتفاقيات سلام مع إسرائيل.هذا كان شرحًا سريعًا لما حدث من تطور لفكرة القومية وما آلت إليه من أحوال.وعلى الرغم من أن هذه الدولة القومية الجديدة لم تحقق أي انتصارات حقيقية للأمة، بل ظل منحنى الهزائم يتوالى، وزادت محنة الأمة الإسلامية من وقت لآخر خلال المائة سنة، وكان من أبرز ذلك حصول الخلافات بين الأشقاء، وقيام إسرائيل، والهزائم المتوالية، والهيمنة الغربية على الثقافة والاقتصاد، وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت هذه الدول والأنظمة مرعوبة من إعطاء أي مساحة للحركة الإسلامية.خصائص الدولة القومية:ومن أجل قيام هذه الدول استطاع القائمون على فكرة الدولة الحديثة أن يضعوا منظومة متكاملة من الفكر والثقافة والسياسة، وإليكم بعضًا من خصائص هذه المنظومة التي قادها أصحاب هذه الدولة وهذا الفكر:1. الإيمان بأنه لا تعارض تمامًا بين الإسلام والهوية القومية، فالدستور المصري على سبيل المثال ينص في ثاني مادة له على أن الدين الإسلامي هو دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وكما أشرت من قبل إلى انخراط الكثير من الشيوخ في بيان مشروعية هذا النوع من الحكم.2. الإيمان بالمواطنة وأن جميع من يحملون الجنسية هم مواطنون، بغض النظر عن ديانتهم ولهم جميعًا حقوق واحدة في هذه الدولة. 3. أصبح (خاصة في المرحلة الحالية من الدولة القومية) ما هو خارج حدود الدولة لا يعني الدولة إلا من باب المصالح الاستراتيجية، كالتعاون مع بقية الدول أو الاهتمام بالمسألة الفلسطينية، باعتبار إسرائيل تهدد الأمن القومي لهذه الدول، وأصبح التمركز على الذات من أهم سمات هذه المرحلة، ولهذا كان عبد الناصر نموذجًا غير مرغوب فيه لدى الدول الغربية، نظرًا لتطلعاته لتوحيد الدول العربية، ولكن هذا الفكر تغير ولا يوجد له وجود سوى بقايا في العراق وليبيا في العصر الحالي، وحكامهما عمومًا من الحقبة القديمة، ولكن الفكرة العصرية الآن هي قبول تعدد الانتماءات، فالمصري له انتماء مصري قومي في المقام الأول، ثم له انتماء أوسع وهو العربي، ثم انتماء أوسع وهو الإسلامي، وذلك بحسب الترتيب من حيث الأولويات.4. الإيمان بالدولة المدنية كشكل أساس لنظام الحكم وما تابعها من قوانين وضعية، والإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت