والذي يمكن أن يغير شكل ذلك في المستقبل هو أنه لا بد من خطوات جادة وحاسمة من الحكومة السودانية، أيضًا لا بد من نشر الوعي الإسلامي وسط الشباب وبالذات طلاب الجامعات، وأيضًا طرح مشكلة التنصير ومعالجتها على مستوى السودان كله حتى تجتث المشكلة من جذورها، أخيرًا لا بد من دور إيجابي للمنظمات الإسلامية العاملة داخل السودان ومعالجة سلبياتها حتى تكون أكثر فعالية. أما المستقبل ما بعد مشاكوس فمن الواضح أنه إذا حدث انفصال فسيكون سيئًا للكنائس، وربما أدى لانحصار التنصير في الشمال، وربما لا يبقى إلا الكنائس الأرثوذكسية وكنائس الجاليات؛ أما الوحدة فسيكسب النصارى المزيد من الحرية والصلاحيات والسلطات.
• أ. علي محجوب عطا المنان: أرجو أن لا يكون غضب الله قد أصاب المسلمين نتيجة الغفلة {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] فلو استشعر المسلمون في السودان وفي العالم اجمع قضية الإسلام في السودان لكانوا بقضهم وقضيضهم ومالهم ورجالهم وعلمائهم جاؤوا لنشر الدعوة في السودان.
إن الجنوبيين في الشمال اتخذوا العربية لغة مشتركة لهم والتي تحمل في طياتها كثيرًا من المعاني والمقاصد الإسلامية؛ فلو نظم المسلمون صفوفهم وقصدوا فعلًا التوجه إلى الله ـ تعالى ـ ليدعوا هؤلاء لكسبوا عددًا كبيرًا منهم إلى صف الإسلام.
• الشيخ محمد عبد الكريم: إذا استمر الوضع على ما هو عليه فإن المستقبل لا يبشر بالخير؛ لأن المد التنصيري لا يزال يحظى ـ بمرور الوقت ـ بمكتسبات نوعية جديدة بسبب الفجوة القانونية ولما ينص عليه الدستور من حرية التبشير لكل أصحاب المعتقدات الدينية، أي لا خصوصية للإسلام في منع انتشار باطل العقائد. ومما يفاقم الأمر ويجعله يمضي قُدُمًا نحو ذلك المستقبل المتشائم العامل العرقي والجهوي السياسي الذي تعمل القوى الاستعمارية وأذنابها على تجذيره في هذا البلد، وهو ما تنطوي عليه اتفاقية السلام المرتقبة في مآلاتها؛ حيث ستحذو بعض المناطق الملتهبة كإقليم دار فور وشرق السودان حذو حركة التمرد في انتزاع حقوقها الموعودة من قِبَل تلك القوى الماكرة؛ وذلك عن طريق العزف على وتر الجهوية وعداء العنصر العربي مما يجعل البيئة السياسية مواتية بشكل أكبر لتدخل هذه المنظمات الكنسية. تغيير ذلك المستقبل نحو التفاؤل يتأتى بتغيير ما في أنفسنا من الهزيمة النفسية تجاه مطالب أعدائنا التي لا منتهى ولا سقف لها. قال ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [الرعد: 11] .
ثورة أوروبا ضد الحجاب.. أم ضد الهوية الإسلامية؟
خليل العناني
لم تكد تمر أسابيع معدودة على صدور قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك بحظر ارتداء الحجاب للطالبات المسلمات في المدارس الفرنسية، حتى اندلعت في أوروبا جدالات ونقاشات واسعة حول قضية الحجاب في المجتمعات الأوروبية بشكل عام، وبدا أن هناك بوادر «ثورة» ـ غير معلنة ـ ضد الحجاب الإسلامي في القارة العلمانية سواء في بلجيكا أو في ألمانيا؛ وبالطبع فقد انطلقت شرارتها الأولى في فرنسا.
ولعل ما يثير الغرابة ـ والاستهجان ـ من هذه القضية هو ذلك التناقض الذي تقع فيه أوروبا؛ فهي من ناحية تعد القارة الأولى التي تحترم الحريات الفردية وتقدسها، ولكنها من ناحية أخرى تفرض قيودًا على الحريات الدينية تحت غطاء سياسي، وتقدم مسوغات وحججًا واهية تقلل إلى حد كبير من نقاء الصورة التي رسمتها أوروبا طيلة القرون الماضية في أذهان وعقول الشعوب الأخرى. وواقع الأمر؛ فإنه لتحري الموضوعية والحيادية في تناول قضية الحجاب في أوروبا تجدر الإشارة إلى أن هذه المسألة ما هي إلا مجرد وجه واحد من الصورة الكلية التي للمسلمين في أوروبا، أي أن مناقشة هذا الأمر يجب ألاَّ ينظر إليها منفردة، بل بتناول حقيقة التعايش الإسلامي في أوروبا.
? أوروبا العلمانية في مواجهة أوروبا الدينية:
بادئ ذي بدء تجدر الإشارة إلى أن قضية الحريات الدينية ـ خاصة فيما يتعلق بالمسلمين في أوروبا ـ ترتبط ببعدين أساسين:
أولهما: يتعلق بمدى القدرة على الحفاظ على أكبر قدر من التوازن بين ممارسة الحريات، وبين فصل الانعكاسات السياسية لهذه الحريات عن المجتمعات الأوروبية، أي فصل الدين عن الدولة فيما يعرف مجازًا بـ «العلمانية» .
والبعد الثاني: هو مدى التأثير الذي يمكن أن تتركه ممارسات المسلمين في أوروبا على غيرهم من ذوي الديانات الأخرى. وباختبار هذين البعدين يتضح لنا حقيقة الإشكالية التي تواجهها أوروبا في كيفية الحفاظ على منهجيتها العلمانية من جهة، والضغوط التي تمارسها لتقليل الصبغة الدينية لبعض الممارسات الحياتية في المجتمع الأوروبي. ويغلف هذين البعدين بالطبع نوع من خصوصية العلاقة بين مسلمي أوروبا وغيرهم من ذوي الديانات الأخرى؛ فأوروبا التي يعيش فيها ما يقرب من ثلاثين مليون مسلم ـ وفق بعض التقديرات ـ تجد نفسها مضطرة للاعتراف بخصوصية هؤلاء المسلمين، وهي ظلت لعقود طويلة تحافظ على هذه الخصوصية.
بيد أن ما يثير اللغط والتضارب هو مدى قدرة أوروبا على استيعاب وامتصاص المشاعر والتقاليد الإسلامية بها، وهي ظلت أيضًا لسنوات طويلة تحاول جاهدة الحفاظ على آلية الامتصاص هذه؛ بيد أن الأمر قد اتخذ منحى آخر حين ترددت الأحاديث حول المدى المسموح به لممارسة الطقوس والعادات الدينية الإسلامية في البلدان الأوروبية، وهو ما قد يقذف في الأذهان فكرة عدم استعداد أوروبا لامتصاص المزيد من السلوكيات والتصرفات الإسلامية في مجتمعاتها، ولربما يدفعها في هذا المنحى وجود هواجس قوية حذرة تجاه هذه السلوكيات يدعمها القلق من أمرين:
أولهما: التخوف من أن تتأثر بقية الشعوب الأوروبية بهذه السلوكيات، وهو ما قد يمثل خطرًا داهمًا على الطبيعة المسيحية لأوروبا.
والأمر الثاني: هو ارتباط الصورة الذهنية للمسلمين في أوروبا بالعنف والإرهاب. ولا ننسى في هذا الصدد الإشارة إلى الدور المؤثر الذي لعبته أحداث سبتمبر في رسم الصورة السيئة الحالية للمسلمين بشكل عام، وكلا الأمرين ربما يدفعان أوروبا إلى مراجعة استراتيجياتها ونهجها في التعاطي مع إشكالية الأقليات المسلمة الموجودة على أراضيها.
? الحجاب وعلمانية المدارس في أوروبا: