فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 719

يبقى من الممتع، وقد اعتدنا قراءة نصوص مناهضي العولمة التقدميين، أن نتوقف عند هذه القراءة المناهضة من موقع محافظ ينصح فيها هنتنغتون قومه بالقول:"إن الوقت قد حان لكي يتخلي الغربً عن وهم العولمة، وأن ينمّي قوة حضارية انسجامها وحيويتها في مواجهة حضارات العالم. هذا الأمر يتطلب وحدة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ورسم حدود العالم الغربي في إطار التجانس الثقافي (15) ."

تعدد الانتماء في ثنائية الانصياع والتمرد

عمقت السيرورة المجتمعية الغربية والثقافة الغربية مفهوم الحقوق الفردية ومفهوم الشخص. وأصبح من الأسئلة الأساسية المطروحة كيف يكون الإنسان في الوقت نفسه مختلفا عن كل الأشخاص، مشابها لأشخاص معينين ومشابها لكل البشر؟ لعل طرح هذه الأسئلة من منظار متعدد الميادين ومواقع متعددة الثقافات سيكون له انعكاسات إيجابية أكيدة على تقدم مبادئ حقوق الإنسان ووسائل النضال من أجلها.

فمن العدمية برأينا الحديث عن عالم الزي الموحد واللغة الموحدة والمطعم الواحد والفن الوحيد النغم باسم العالمية مهما كانت خصائلها. خاصة عندما ينبع هذا الحديث من اعتبار أنموذج للثقافة القومية التعبير عن الثقافة العالمية، كما تحاول مراكز السلطة في الولايات المتحدة اليوم أن تفرض على الناس. دراسة النفس والفرد تظهر إلى أي مدى يختلف الأفراد، وبالتالي صعوبة معالجة المرض نفسه بالضرورة بالطريقة نفسها عند شخصين من بيئة واحدة. فكيف الحال في اختلاف البيئة والمحيط الاجتماعي والفضاء الثقافي؟ كذلك، إن الاندماج القسري في نمط ثقافي استعلائي يعزز إنتاج الانصياع الداخلي والعبودية الخارجية. ما الذي يفسر وجود هذا العدد الكبير من الجنود الذين يقبلون الالتحاق بالمجهول منذ حرب 1914 إلى حرب العراق؟ كيف تعيد مراكز القرار في الغرب إنتاج أشكال الطاعة بحيث، كما يذكر ميشيل فوكو، تكمن الفضيحة في جنوح الإنصياع وليس فقط في جنوحات السلطة. من هنا الملاحظة الجوهرية لناعوم شومسكي في رفضه لهيمنة النمط الأحادي:"كلما أصبح العالم الاجتماعي أكثر حرية وتنوعا، غدت وظيفة غرس الخنوع أكثر تعقيدا، وباتت مشكلة حل ألغاز آليات غسيل الدماغ أكثر انطواء على التحدي".

من هنا، دفاعنا عن مبادئ عالمية لحقوق الإنسان ينطلق: أولا، من مبدأ قبول الفروق المرئية وغير المرئية في الثقافات، سواء كان الأمر يتعلق بمحتوى الثقافة أو بمناهج تناقلها من جيل لآخر أو مدى قدرتها على الاغتناء في الزمان والمكان والتفاعل مع الآخرين. ثانيا، من الحرص على رفض توظيف ما يعرف بالعالمية أو الخصوصية سواء بسواء لأية غايات ترجح القوة على روح العدالة، وتحجم الحقوق لحساب المصالح أو الإيديولوجيات (16) . ثالثا، التذكير باستمرار بأن مضمون الفكرة الإنسانية غير مستقر، وهو دائم التحول، كما هي مخاضات انعتاق الوعي. فكل مشروع حضاري يطرح تصوره للعالم ويطرح أيضا مثاله للعدل.

فصل من كتاب المفكر العربي هيثم مناع الجديد: أبحاث نقدية في حقوق الإنسان، يصدر في سبتمبر 2005 عن دار الأهالي والمؤسسة العربية الأوربية للنشر واللجنة العربية لحقوق الإنسان

ملاحظات

4)كارل ماركس، مخطوطات كارل ماركس، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الثقافة الجديدة، مصر، 1974، ص 118.

5)كارل ماركس، إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيجل، مقدمة، راجع الترجمة هيثم مناع، منشورات الجمل، 1986، كولن، ص 6.

7)محمد حافظ يعقوب وهيثم مناع (حوار) ، مقاربات، العدد 2-3 ،شتاء وربيع 2001، ص69.

8)محمد خاتمي، مطالعات في الدين والإسلام والعصر، دار الجديد، طبعة ثالثة، 1999.

9)عصام العطار، كلمات، الدار الإسلامية للأعلام، بون، 1999، ص 285.

10)نعوم شومسكي، ردع الديمقراطية، ترجمة فاضل جتكر، مؤسسة عيبال، نيقوسيا، ص 369.

13)علاء بيومي، من نحن، تحديات الهوية الوطنية الأمريكية، عرض الكتب، الجزيرة نت.

مقطع سبق وترجمه د. عبد العزيز بن عثمان التويجري في دراسته: الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلامية.

15)هيثم مناع، موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، الخصوصيات الحضارية وعالمية حقوق الإنسان، الأهالي، أوراب، اللجنة العربية لحقوق الإنسان، باريس، دمشق، 2002، ص160.

نحن والغرب والهوية نصر الدين أبشر*

اهتم الغربيون بالأفكار والظواهر والبحوث والعلوم اهتمامًا مجردًا من أي رائحة سماوية؛ فلا طعم لوحي فيه، ولا فضل يردونه لمن سبقهم من الباحثين والعلماء وخاصة لو كانوا مسلمين، كما أن أغلب الأفكار والاختراعات الغربية تجد وراءها العسكريين والدوائر الاستخبارية.

أما العلوم التي جاءتهم من المسلمين - بحتة أو غير بحتة - فقد تسببت في تقدمهم المادي، وغيرت في مدنيتهم وسلوكهم الحضاري كثيرًا؛ حيث لم تتجل الألفاظ العربية شاهدة على هذا في المصطلحات العلمية فحسب، ولا أسماء علماء المسلمين عندهم؛ بل بداية من التحية Hello، أو هلًا، والاستئذان please، أو بالإذن؛ مرورًا بالتعامل مع نظرائهم another's؛ حسب القوانين canons، والعدالة والقسط just؛ حتى تأقلموا aclmise؛ على بيئة المسلمين، وحضارتهم، وكلامهم..

لكن الإعلام يردد وينوع أكذوبة أن الإسلام غير صالح لعصرنا، وتتضافر معه أساليب ووسائل التنشئة المغلوطة، والتاريخ المكذوب، والحقائق المبدلة.. ويردد هذه الأكذوبة حتى بعض أبناء الإسلام بحجة تطويره.. وتجد هذه الدعاوى طريقها بين الناس؛ لأنهم أكثر استعدادا لتصديق كذبة تذكر مائة مرة منهم لقبول حقيقة تسمع مرة؛ كما تقول الحكمة عن طبيعة البشر..

ولأنا فصمنا أنفسنا - إلا من رحم الله - عن وحي السماء؛ وصارت لا قيمة للبحث الموضوعي الجاد عندنا رغم اهتمامنا بالعلوم رسخ في كثير من الأذهان أن المسلمين هم أهل التخلف الحضاري والمدني، وهم في حاجة لحضارة الغرب الفريدة بما فيها ومن فيها.. وزاد المسلمون تخلفًا بانشغالهم بمحاربة المستعمرات الفكرية داخل عقول بعض المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت