طبعًا يبقى الجهاد بنوعيه - جهاد الدفع وجهاد الطلب- خاضعا عند التنزيل لمستوى المعطيات الذاتية، إذ لابد لكل عمل من إرادة عازمة وقدرة كافية، ولكن مادامت التربية الإسلامية الصحيحة كفيلة بامتلاك إرادة الجهاد والاستعلاء عن الوهن، فإن من شأن هذه الإرادة نفسها أن تحرك كل الإمكانيات المتاحة نحو تحقيق مقومات القدرة على الجهاد، قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] .
قال ابن تيمية: (كما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) [الفتاوى: 28/259] .
وباستحضار استمرارية الصراع العسكري كسنة قدرية قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217] ، يسهل الاطمئنان إلى استمرارية الجهاد وبقائه إلى يوم القيامة، ليس باعتباره مطلبا شرعيا فحسب، ولكن كسنة قدرية تتوقف استمرارية الصراع على دوامها.
وهذه العقيدة حين تكون حية في قلوب المسلمين كفيلة بتحرير الإرادة من آثار الحرب النفسية التي تستهدف بثّ اليأس والقنوط من النصر القريب، فإن كل الجهود التي تحاول اقتلاع جذور الجهاد آيلة حتمًا إلى الفشل الذريع، قال تعالى: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] .
إن هذه الأمة أمة مجاهدة، ومن شأن هذه الحقيقة أن تفرض الاستعلاء عن الاستجابة لنعيق المنهزمين الذين يحاولون أن يسوغوا ضعفهم بالترويج لثقافة السلام مع أولياء الشيطان، كما أن الاستحضار الجدي للشق التكليفي في هذه الحقيقة كفيل بتحريك الشوق إلى لذة العبادة، فيكون الثبات رغم صعوبة الطريق.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] .
مشروع محمد عبده"الإصلاحي"وزرع الشوك
لا زالت شريحة كبيرة من المثقفين تتكلم عن محمد عبده على أنه إمام ورائد للنهضة الحديثة، ويدعوا نفر من المحسوبين على التيار الإسلامي إلى إعادة نموذج محمد عبده الإصلاحي ثانية؛ للنهوض بالأمة الإسلامية من جديد... لذا رأيت أنه من الضروري إلقاء الضوء على نموذج محمد عبده الإصلاحي، وبيان كيف أنه كان البذرة التي أثمرت الشوك فيما بعد.
من هو محمد عبده [1849 - 1905م] ؟!
بعد فشل الحملات الصليبية على البلدان الإسلامية، وأسر"لويس التاسع"في دار بن لقمان بالمنصورة وفِديته، كان هذا الرجل فطنا، عاد يحدث قومه:"لن تستطيعوا التغلب على هذه الشعوب وأنتم تحملون الصليب، هذه الشعوب تهب حين تُأْتَى من قبل دينها".
فتعلم الصليبيون الدرس، وعادوا إلينا يدَّعون أنها أهداف اقتصادية، وأنهم علمانيون لا دينيون، والحقيقة أنهم يحملون ذات الثارات القديمة، والفارق بينهم وبين أجدادهم أنهم لا يجملون الصليب.
وكان الاحتلال البريطاني لمصر جزء من هذه الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فمنذ قدومهم عملوا على نزع الهوية الإسلامية عن شعب مصر، وإعادة قراءة النصوص الشرعية بما يتفق مع مطالبهم، وقد عملوا على إيجاد جيل كامل من أصحاب الشذوذ الفكري والطموح السياسي - كما يقول الدكتور محمد محمد حسين - ليتولى هو مخاطبة الشعب وتغيير هويته.
وقد وجد القوم بغيتهم في"الشيخ"محمد عبده...
لماذا؟
يرجع هذا إلى نشأة"الشيخ"وطبيعة أفكاره، فقد"كان الشيخ اعتزاليًا متتطرفًا، هذا أقرب ما يمكن أن يوصف به الشيخ من الانتماءات المذهبية وإن كان في الواقع له اتجاه مستقل أحيانًا، وتظهر إعتزاليته في تفسيره للملائكة والجن والطير الأبابيل وخلق آدم، وربما كانت هذه التأويلات هي التي دفعت كرومر إلى قوله؛ أشك أن صديقي عبده كان في الحقيقة لا إدريًا - نقلها عنه جب [دراسات في حضارة الإسلام: ص399] " [1] .
تأثر"الشيخ"محمد عبده بجمال الدين الأسد أبادي"الأفغاني"، والذي نفي إلى مصر لفكره الاعتزالي وأرائه الغريبة، إذ أنه كان منبهرًا - هو الآخر - بالغرب وقوانينهم، فنادي بأن الأمة هي مصدر الحكم، ونادى بوحدة الأديان، والسلام العالمي، وأن الاشتراكية من الإسلام، ورحل إلى أمريكا مستنصرا [2] .
وحمل محمد عبده ذات الأفكار، وأفسح الإنجليز له المجال ليتكلم إلى الشعب من أعلى المنابر في مصر وأكثرها قبولا لدى العامة، وهو منبر الإفتاء، وليكون لسانه لسان الشرع.
أما كونه حمل ذات الأفكار ودعى إليها؛ فقد جاء في مقدمة"رسالة التوحيد"لمحمد أبو ريّة - وهو من أحباء الشيخ - نقلا عن"مستر بلنت"في كتابه"التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر" [ص: 76] ، وهو يتحدث عن الشيخ جمال الدين الأفغاني ورسالته في الشرق وإصلاحه، يقول: (أما عباءة المصلح نفسه - يعني جمال الدين - فقد ألقيت على عاتق أقوى من عاتق صاحبها الأصيل"الشيخ"محمد عبده، وقد خلف جمال الدين في زعامة"حزب الإصلاح الحر"في الأزهر) .
أما كون الإنجليز أفسحوا له المجال؛ فهذه حقيقة لا يماري فيها من له أدنى دراية بـ"الشيخ"، والذي يتضح لي؛ أن شخصية محمد عبده اتفقت مع هوى الإنجليز، فحدث بينهما التقاء وتعاون، وثقة متبادلة، يصفها البعض بالعمالة، ويشتد البعض في اللفظ فيصفها بالخيانة، والمحصلة واحدة، وما يعنيني؛ هو أن الشيخ كان على علاقة قوية بالإنجليز.
لم ينكر هذا أحبابه، فهذا يوسف الغزال في تقديمه لـ"رسالة التوحيد"يفسر سوء العلاقة بين الشيخ والخديوي عباس بقوة علاقة الشيخ بالإنجليز وكثرة تردده عليهم [3] وعلانية امتدحه الإنجليز، ورضوا عن أقواله وأفعاله، ووقفوا ورائه يغدقون عليه الألقاب، ويرسلون فتواه في كل مكان.
واقرأ هذا النص، وهو من قول مستشار القضاء الإنجليزي بمصر في تقريره عن المحاكم لسنة 1905م، وهو العام الذي توفى فيه الشيخ، يقول: (ولا يسعني ختم ملاحظتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليو الفائت، وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة الفادحة التي أصابت هذه النظارة بفقده...) ، إلى أن يقول: (وفوق ذلك، فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيرًا من القوانين المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية...) [4] .
معذرةً أرجو قراءة النص مرة أخرى!
ومعروف أن المندوب السامي البريطاني"اللورد كرومر"؛ كان صديقا للشيخ محمد عبده، وأنشأ سويا كلية لتخريج قضاة الشرع المسلمين، يدرس فيها مجموعة من العلماء ذوي الطابع التحرري.
والتي يقول عنها: (أنها كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه) .
ويتحدث عن ذلك في تقريره لحكومته عام 1905م، فيقول: (وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق محمد عبده، بقصد وضع خطة مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة في شهر يونيو السابق ـ والشيخ توفى في الشهر الذي بعده، وهذا له دلالته ـ ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة... وهذه النظم تذود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري ولا تحصر الطالب في الدراسات الخاصة) [5] .