فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 719

ولم يكن الشيخ مقربًا عند الإنكليز الكفرة وفقط، بل"كان بين الطوائف الراقية من المصريين والأجانب محبوبًا معظمًا معترفًا له بمقام الإمام" [6] .

وأيضًا نال الشيخ احترام الكاثوليك العرب؛ فهذا بشر الخوري صاحب"معجم الموارد"، يقول بعد سلسلة من المدائح:"... والخلاصة أنك آية من آيات الله" [7] .

بهذا تعلم أن محمد عبده نشأ في بيت مشبوه، ورباه شيخ مشبوه - هو جمال الدين"الأفغاني"- وقام الإنجليز بزرعه في أعلى منصب في مصر، وأخلوا بينه وبين الشعوب ليتكلم إليها كيف شاء.

أسس محمد عبده أثناء فترة تواجده في لبنان جمعية سرية مع أحد دعاة التنصير تدعوا إلى الحوار بين الأديان [8] .

دعوة الشيخ محمد عبده:

اشتهر الشيخ محمد عبده بدعوته إلى الإصلاح، والإصلاح الذي كان يهدف إليه الشيخ ثلاثة أنواع؛ إصلاح الدين، وإصلاح اللغة والأدب، وإصلاح السياسة [9] .

"وكل الذين قاموا بالإصلاح في الميادين الثلاثة كانوا من تلاميذه وأصدقائه ممن صاروا على خطاه وتأثروا بطريقته، منهم سعد زغلول، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين وغيرهم" [10] .

والشيخ"أعظم من تجرأ على مفهوم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام من المنتسبين للعلماء، بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة، ودعوته إلى التعامل مع الإنجليز وغيرهم، بحجة أن التعامل مع الكافر ليس محرمًا من كل وجه" [11] .

والشيخ هو صاحب الفتوى"الترنسفالية"، التي أباح فيها التشبه بالخواجات في لبس القبعة [12] .

والشيخ أول من أفتى بإباحة الربا في شكل صناديق التوفير معتمدًا ـ كما يرى العقاد ـ على مفهوم الآية من أنه لم يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة فقط [13] .

والشيخ كان ظهيرًا لقاسم أمين في كتابه"تحرير المرأة"، فعندما أصدر قاسم أمين كتابه"تحرير المرأة"؛ شك كثيرون في كونه كاتبه، لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة للأقوال الفقهية والأدلة الشرعية، التي كان مثل قاسم قليل البضاعة منها، ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة هو أحد رجلين، إما محمد عبده وإما"كرومر".

ويحل لطفي السيد الإشكال في كتابه"قصة حياتي"، إذ يقول: (إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب"تحرير المرأة"في جنيف عام 1897م، قبل أن ينشره على الناس) [14] .

وقال ذلك نصا الشيخ محمد إسماعيل المقدم حفظه الله في محاضرة له بعنوان"المؤامرة على المرأة المسلمة"، وعلل ذلك؛ بان الكتاب مليء بالمسائل الفقهية التي لا علم لقاسم أمين بها.

والشيخ نادى بتحريم تعدد الزوجات، عملًا بحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ! [15] .

"وجملةً، يمكن أن يقال؛ أن ما من عملٍ من أعمال الخدمة الاجتماعية تم بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هيأ لها الأذهان ومهد لها الطريق، وبدأ فعلًا بالاستعداد لتنفيذها، ومنها الجامعة المصرية التي كان يعني بها أن تقوم بتعليم العلوم وفقًا للمناهج الحديثة، وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة" [16] .

ومن المعلوم؛ أن هذه الجامعة كانت مختلطة، وأنشأت فيها معاهد للرقص والفنون الجميلة، وهذه هي الأخرى كانت من بنات أفكار الإمام محمد عبده - كما يخبر العقاد في فصل"الفنون الجميلة"-

وتدبر؛التعامل مع الكفار - قبول الآخر - التشبه بهم، إباحة الربا، تحرير المرأة، تحريم تعدد الزوجات، أليست هي ذات المطالب القائمة اليوم؟!

لمن كانت ثمار دعوته؟

بعد هذا العرض لأفكار الشيخ ودعوته، يمكننا القول؛ أن الذي جنى ثمار دعوة الشيخ هم الإنجليز، وذلك على مستويين.

الأول: على مستوى عوام الناس، حيث اتخذت الشعوب أفكار الشيخ وفتاويه مبررًا نفسيًا لتقبلها للتغير العلماني المتدرج في الدول العربية.

وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع حديث"عيسى بن هشام"شيئا من ذلك على لسان أبطال الرواية، إذ يسأل أحدهم متعجبا: (كيف صاغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة الإسلامية؟) ، فيجيب الآخر: (بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة) .

الثاني: كانت أفكار الشيخ محمد عبده ـ كما يقول سفر الحوالي ـ حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي، ومن ثم باركها المخطط الصهيوني الصليبي العالمي واتخذها جسرًا عبر عليها إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة الإسلامية والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة، واستوراد النظريات الاجتماعية الغربية وهو ما تم جميعه تحت ستار الإصلاح أيضًا [17] .

نعم كان محمد عبده مخلصا وجادا فيما يفعل، وأراد محمد عبده الوقوف في وجهة الجمود العقلي الموجود في هذه الأيام، وأن يجاري العقل الأوروبي - صاحب الاختراعات والاكتشافات العلمية يومها - فبالغ في إعمال العقل، وصار تحت ردود الأفعال، فأحدث انحرافا جديدا [18] .

ونعم، أراد محمد عبده أن يقيم سدا في وجه الاستعمار الغربي والغزو الفكري يومها، فأقام قنطرة عبر عليها العدو إلى ثوابتنا الإسلامية، فكان ما كان - كما يقول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم -

ومن يقرأ عن حياة محمد عبده ويأخذ شخصيته من كل جوانبها، يجد أن الشيخ كان شغله الشاغل؛ هو تحسين صورة الإسلام في أعين الغربيين، والنهوض بالأمة، نهضة مادية كالتي كانت في أوروبا يومها، وربما هذا هو القاسم المشترك بينه وبين من يحاولون إحياء دعوته اليوم.

من المهم جدا؛ تحديد المنطلق، ومن المهم جدا؛ وضوح الهدف بدقة.

وثلة غير قليلة من مثقفي اليوم، تريد تحسين صورة الإسلام أمام الغرب، وتريد الرقي المادي بالأمة الإسلامية، وتجد أقلامهم تأن من كل فعل"يشوه"صورة الإسلام أمام الغرب، وهم يصرحون بهذا في أكثر من مقام.

هذا هو هدفهم الذي يظهر لي، وهذا هو منطلقهم الذي يخرجون منهم.

والذي أفهمه؛ هو أن رسالتنا هي تعبيد الناس لله، وليس الرقي المادي بحياتهم، وأن الخطاب الأخروي لا ينبغي أن يغيب عن البال، فالشرع جاء أساسا لإنقاذ الناس من نار جهنم، {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} ، وإصلاح الدنيا يأتي تبعا، لا أصلا؛ {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} .

والذي أفهمه أنه مر مائة عام على وفاة محمد عبده، ولم نجن من مشروعه الإصلاحي إلا الشوك - حرية المرأة، والجامعات المختلطة، والسخرية من التيارات السلفية الملتزمة بالهدي النبوي... الخ -

نعم لم نجن من مشروع محمد عبده إلا الشوك، والعجب كل العجب أن يأتينا آخر يريد منا اليوم بذر الشوك ثانية للأجيال القادمة!

محمد جلال القصاص

18 /5 /1426 هـ

[1] راجع إن شئت العلمانية للدكتور سفر الحوالي: ص575.

[2] ومن أراد المزيد فليقرأ"خاطرات جمال الدين الأفغاني"، اختيار عبد العزيز سيد الأهل: ص: 14، والاتجاهات الفكرية والسياسية والإجتماعية، علي الحوافظة: 102، 181 - 182، وكان للأفغاني نشاط ماسوني، وكان يشرب"الكونياك"- وهو نوع من الخمر - كما ذكر ذلك محمد رشيد رضا في"تاريخ الأستاذ": ج1/ص49.

[3] رسالة التوحيد، للشيخ محمد عبده، تقديم حسين يوسف الغزال، ص: 15، 20.

[4] نقلا عن العلمانية، للشيخ الدكتور سفر الحوالي، ص: 575.

[5] المصدر السابق، ص: 576 - 577.

[6] رسالة التوحيد، محمد عبده، تقديم محمد أبو رية: ص8.

[7] المصدر السابق: ص10.

[8] ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب"منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير"، الدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، ص124 - 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت