(وكانت هذه الحقيقة من الوضوح بحيث فرضت نفسها على الفرنسيين وهم يعدون العدة للتعامل مع الشعب المصري، حتى يمكن القول بأن الباب الذي اعتمده نابليون للدخول إلى المصريين كان باب الدين..
الذي استغله نابليون منافقًا، بصورة ساذجة وسطحية.
فهذا هو المنشور الذي وجهه نابليون للمصريين وقد افتتح بعبارة تقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له، ولا شريك له في ملكه، ثم يقول: يا أيها المصريون، قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح لا تصدقوه، وقولوا للمغتربين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله - سبحانه وتعالى --، وأحترم نبيه والقرآن الكريم..
ثم يضيف كاذبًا: أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجرنلجية وأعيان البلاد، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون (وفي النص الفرنسي: محبون للمسلمين المخلصين ) !! ويدل ذلك على أن نابليون حينما أراد أن يقدّم الفرنسيين للشعب المصري، بالصورة التي يعلم أنها مظنة القبول - عنده، قدمهم (كمسلمين مخلصين) أو على أقل تقدير (محبين للمسلمين المخلصين) ! ! لقد كان المدخل بالقطع ذا علاقة بالإسلام، الذي ظل - رغم كل ما شاب وجوده الحقيقي من خلل - سمتًا غالبًا في المجتمع، يراه الناس أساس التجمع وسبب الدولة [6] .
ولذلك فإن المصريين حين قاتلوا الحملة الفرنسية، لم يقاتلوها بوصفهم (مصريين) إزاء (فرنسيين) ..
وإنما بوصفهم (مسلمين) يقاتلون (الكفار) الذين يحتلون أرضهم والدليل على أنها كانت حربًا جهادية إسلامية ضد (الصليبيين) أن علماء الدين كانوا هم قادتها، وأن غضب نابليون انصب على الأزهر بوصفه عنصر المقاومة للغزو الصليبي..
وتأتي قمة الدلالة في كون سليمان (الحلبي) الذي قتل كليبر لم يكن (مصريًا) ، إنما كان (مسلمًا) دفعه إسلامه إلى قتل قائد الحملة الصليبية الموجهة إلى أرض إسلامية.
وإذا مضينا مع التجربة الإسلامية، وجدنا المثال الآخر الذي يدل على أن الإسلام (كهوية) للأمة، كان دائمًا يعبئ طاقات الأمة ويوحدها، ويجعلها أكثر صلابة في مواجهة أعدائها..
وذلك المثال هو ثورة 1919 م في مصر..
لقد قامت الثورة تعبيرًا عن غضب الأمة المختزن منذ عهد الاحتلال..
واشترك فيها الشعب كله إلى أقاصي الصعيد..
وكانت الجماهير تستمع إلى خطباء الأزهر الذين يشعلون حماستها، فتخرج في مظاهرات قوية ضد المستعمر الغاصب...
وكان الإنجليز يدركون أنها ثورة إسلامية، ويرون في ذلك الخطورة البالغة، كما عبّر عن ذلك اللورد اللنبي المندوب السامي في مصر بقوله: إن الثورة تنبع من الأزهر، وهذا أمر له خطورته البالغة..
أفرجوا عن سعد زغلول وأعيدوه إلى القاهرة [7] .
وإذن فقد كانت الثورة في بدايتها [8] ثورة (إسلامية) ..
وكانت أحاديث الناس، وبخاصة في الريف تدور حول ضرورة الثورة ضد (الكفار) المغتصبين..
وضرورة الثورة ضد الذين يفصلون بين الأمة وبين دولة (الخلافة) ..
وكان الناس يرون أن (الأزهر) هو الجدير - في حسهم - أن يقود الثورة الإسلامية.
وهكذا في كل مواجهة بين الأمة الإسلامية، وبين أعدائها، كان الإسلام هو الحصن الذي فشلت تحت أسواره محاولات القضاء على الأمة على مدار التاريخ..
وكانت (الهوية الإسلامية) هي الحافز الرئيسي الذي دعم جهاد الأمة ضد أعدائها، سواء في الحروب الصليبية، أو غزو التتار، أو حروب الفرنجة، أو غيرها..
حيث كانت الأمة تندفع بهويتها الإسلامية لتقدم قدراتها القوية، فسرعان ما تنهزم قوى الباطل ويعود المسلمون إلى امتلاك إرادتهم، وبناء أمتهم، ونشر كلمة الله في العالمين..
هذه هي عبرة التاريخ..
وأما درس الواقع..
فقد(أثبت لنا تاريخ صراع الأفكار والمذاهب في القرن الأخير في المجتمعات الإسلامية أن الأمة الإسلامية رفضت محاولات إسقاطها النهائي أمام الأمم الأخرى وحضاراتها،...
وأنها لا تزال تحتفظ بجوانب من القوة في مقوماتها الإسلامية وخصائصها الذاتية المستغلة، على الرغم من غزو الحضارة الغربية لقيمها وحياتها وسلوك أفرادها) [9] ، ولا تزال ترى أن الإسلام هو المنهج الذي يمثل خصائصها، ويحدد هويتها، ويرسم الطريق الأمثل والوحيد إلى أهدافها الحضارية..
وليس أدل على ذلك من هذه الصحوة الإسلامية، وتلك الجحافل الساجدة لله.
بالفكر والسلوك..
الساعية إلى إخراج الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة وقيادة البشرية.
إن الإسلام وحده هو (هوية الأمة الإسلامية) وهو عصب حركتها ومحور اجتماعها، وهو القوى الدافعة التي تفجر طاقات الأمة وتقوي وقفتها في مواجهة أعدائها.
ويوم أن كان الإسلام هو هوية هذه الأمة، كان المسلمون هم سادة الأرض بحق وصدق وعدل..
وبغيره ستظل الأمة تلهث وراء المظاهر الحضارية تحسبها التقدم، وهي القشور والخداع.
وبكلمة: لقد بلور الإسلام (هوية الأمة الإسلامية) ، ومنح أفرادها (الجنسية) الإيمانية، فاجتمعوا حول الإسلام وربط بينهم حبل الله كارتباط الجسد الواحد..
ولم يستطع الغزو العسكري أو الفكري أن يحكم الأمة الإسلامية بغير الإسلام إلا في ظل سياسة العصا الغليظة، والاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والأنظمة الجبرية..
حيث تلغى إنسانية الإنسان، وتطارد حريته، وتصادر هويته!!...
واليوم يبقى الإسلام هو (وحده) المنهج الذي يمثل خصائص الأمة ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية..
ذلك أنه هو (هوية الأمة الإسلامية) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر - ص 139.
(2) فقه الدعوة - ملامح وآفاق: عمر عبيد حسنة ص 72.
(3) الولاء والبراء - محمد سعيد القحطاني ص 415.
(4) الإسلام والمدنية الحديثة - أبو الأعلى المودوي ص 44.
(5) تطور الفكر السياسي في مصر - عبد الجواد ياسين ص 45.
(6) تطور الفكر السياسي في مصر - عبد الجواد ياسين ص 46-47.
(7) مستفاد من كتاب واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب.
(8) قبل أن يحولها سعد ورفاته من ثورة إسلامية إلى ثورة وطنية لاعلاقة لها بالدين.
(9) المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري - د محسن عبد الحميد ص 41.
مراد هوفمان يحث مسلمي ألمانيا على التمسك بهويتهم
وجه المفكر الألماني المسلم الدكتور مراد هوفمان نصائح لمسلمي ألمانيا قال فيها: إنه يجب التمسك بالهوية الإسلامية، والتخلي عن الانقسام القائم على أساس العرق، والاهتمام بالجيل الثالث من المسلمين، والالتزام الداخلي وليس الظاهري فقط.
وأضاف هوفمان في حوار مع موقع إسلام أون لاين على الانترنت:"يعاني مسلمو الغرب كبقية العالم الإسلامي من انقسام وتمييز عرقي فيما بينهم، فمن المسلمين في ألمانيا من لا يقول أنا ذاهب إلى المسجد؛ بل يقول أنا ذاهب للمسجد المغربي أو المسجد التونسي أو التركي".
ويرى هوفمان أن أول خطوة على طريق إدماج المسلمين تتمثل في تنحية تلك النزعات العرقية جانبًا، ووقف حالات الصراع المذهبي، وضرورة نبذ الانتماء لطائفة دينية معينة.
وأكد المفكر الإسلامي، ضرورة أن يتمسك المسلم بهويته الإسلامية. وقال:"نرفض بشدة مصطلح (الإسلام الأوربي) و (المسلم الحضاري) ؛ فهو يعني في اعتقادي أن يسيطر الطابع الأوروبي على المسلم، وأن يتوقف هذا المسلم الحضاري عن الصلاة والصوم وأداء الفروض، ويكتفي بالقول إن الله في قلبه.. ونحن لا نريد هذا النموذج".