فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 719

إن العيد ليس فقط عبارة عن تزاور وأكل وفرح، بل هو دليل على الانتماء الحضاري أو الديني، وهو يشعرك بأنك جزء من الجماعة التي تحتفل به، تفرح إذا فرحت وتحزن إذا أصيبت، ولذلك (حين زجر أبو بكر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة صرفه عن ذلك النبي الكريم، وقال له: يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا) [15] .

لقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع الوليد الذي أسسه أعياده الخاصة به، وأسقط أيامه الجاهلية، وكان ذلك جزءًا من بناء الأمة الجديدة.

يروي الحفاظ أنه حين قدم النبي المدينة وجد لأهلها يومين يلعبون فيهما، فسألهم: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر) [16] .

إن الناس يحتاجون إلى العيد والاحتفال؛ فتلك طبيعة بشرية قديمة، ولهذا كان الشارع حكيمًا حين وضع للمسلمين أيامًا خاصة يعيِّدون فيها، فيأكلون ويفرحون ويتزاورون.. وذلك إشباعًا لغريزة إنسانية هي الاحتفال بأيام استثنائية ليست كسائر أيام السنة. ولذا يجب أن نعتني أكثر بأعيادنا، ونعظمها ونستعد لها، ولا بأس أن نبدع فيها طرائق متعددة للاحتفال، كمختلف لعب الأطفال مثلًا، مما يتغير بتغير العصر والزمان.

الاحتفال بالميلاد من الزور:

لقد اعتبر العلماء أن مشاركة أهل الملل الأخرى في أعيادهم نوع من الزور والباطل، واستنبطوا ذلك من وصف الله تعالى لعباده: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] .

قال القرطبي: (أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور كل باطل زُوِّر وزُخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. وقال عكرمة: لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور) [17] .

وذكر ابن العربي أن في قوله تعالى: {لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} ستة أقوال: الشرك، والكذب، وأعياد أهل الذمة، والغناء، ولعب كان في الجاهلية، والمجلس الذي يسب فيه النبي الأكرم. ثم قال القاضي معلقًا: (أما القول بأنه الكذب فهو الصحيح؛ لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع. وأما من قال: إنه أعياد أهل الذمة؛ فإنَّ فِصْحَ النصارى وسبت اليهود يذكر فيه الكفر؛ فمشاهدته مشاهدة كفر، إلا لما يقتضي ذلك من المعاني الدينية، أو على جهل من المشاهد له) [18] .

ولذلك يقول ابن تيمية: (وأما أعياد المشركين فجمعت الشبهة والشهوة والباطل، ولا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها إلى ألم، فصارت زورًا، وحضورها؛ شهودها) [19] .

وفي أعياد الميلاد وجه آخر من الزور، وهو ما يذكره المؤرخون من أن تاريخ ميلاد عيسى - عليه السلام - غير معروف على وجه الدقة واليقين، وإنما هو تخرص وظن.

السفر للاحتفال … معصية أخرى:

ويعظم الإثم بما يفعله بعض المسلمين اليوم من السفر إليهم في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر لمشاركة النصارى حفلاتهم، وفي هذا مفاسد أخرى؛ كإقرارهم على هذا الباطل، وصرف المال في ديارهم على ما لا يفيد بل يضر.. إضافة إلى ما يشوب هذه الأيام من شرب الخمور والاختلاط والرقص.

والسفر عند الفقهاء - كأي عمل بشري - تجري عليه الأحكام الخمسة، ولا شك أن هذا - سفر معصية - يأثم صاحبه.

ونقل ابن تيمية عن عبد الرحمن بن القاسم - صاحب مالك وأحد كبار المجتهدين في مذهبه - أنه سئل عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم؟ فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه [20] .

ولعل قارئًا يعترض عليَّ بالكتابة في هذا الموضوع"الجزئي الهامشي"، وترك ما هو أعم وأهم... والجواب؛ أن التغريب يضرب بأطنابه في كل شيء، ولا يريد أن يستبقي لنا شيئًا خاصًا بنا ومن صميم حضارتنا، فهو ينفذ إلى طرائق التفكير ومناهج السلوك وأساليب العلم وأشكال تخطيط المدن وأنواع اللباس والمأكل... حتى الأعياد التي هي شعار الأمم وأعلامها لم تنجُ من أثره.

فهذا من مظاهر العولمة الضارة والغزو الفكري... أن صارت الأعياد المسيحية تزاحم أعيادنا... وفي عقر ديارنا... إن من حقنا أن ندافع عن قيمنا وهويتنا في زمن أصبحت فيه حتى فرنسا تخاف على تميزها من طغيان العولمة الجارف [21] ... وما الهوية والشخصية الذاتية إن لم تكن مجموع الدين واللغة والتقاليد والأعياد؟

ثم أترى النصارى يشاركوننا أعيادنا؟ إنهم - حتى - لا يعترفون بها، ويعتبرون بعضها - خاصة عيد الأضحى - نوعًا من الهمجية، وها هي الممثلة الفرنسية العجوز؛"بريجيت باردو"تطلع على العالم عشية كل أضحى فتسب الإسلام والمسلمين، وتصفهم بالقسوة والبدائية؛ لأنهم يتقربون إلى الله تعالى بالذبيحة.

فهل هانت علينا أنفسنا إلى هذا الحد؟

[بقلم؛ إلياس بلكا]

1)المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي ابن عطية، نشر وزارة الأوقاف بالرباط طبعة أولى، 1979، 5/126.

2)الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988، 6/145.

3)التحرير والتنوير من التفسير، للطاهر ابن عاشور، الدار التونسية، 6/239.

4)التحرير والتنوير، 6/241.

5)من توجيهات الإسلام، لمحمود شلتوت، دار القلم، القاهرة، ص 264.

6)التحرير والتنوير، 6/230.

7)مجموع الفتاوى لتقي الدين ابن تيمية، نشر المكتب السعودي بالرباط، 28/201.

8)المعيار المعرب والجامع المغرب، لأحمد الونشريسي، نشر وزارة الأوقاف بالمغرب، وطبع دار الغرب، 1981، 11/150 - 151.

9)عن: المعيار، 11/154.

10)الحديث الأول رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر، والطبراني في المعجم الأوسط عن حذيفة، وحسنه السيوطي كما في: الجامع الصغير بشرحه السراج المنير، 3/348. والثاني رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد ضعَّفه، لكن يقويه ويشهد له غيره من الأحاديث كهذا الحديث الأول.

11)السراج المنير شرح الجامع الصغير، لعلي العزيزي، دار الفكر، 3/348.

12)اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، دار الفكر، ص 83.

13)المغني لموفق الدين ابن قدامة، دار الفكر، ط 1، 1984، 3/106.

14)المغني، 3/106.

15)رواه البخاري.

16)رواه النسائي وأبو داود في السنن، وأحمد في المسند.

17)الجامع لأحكام القرآن، 13/54.

18)أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي، دار الفكر، 3/1432.

19)اقتضاء الصراط المستقيم، ص 183.

20)مجموع الفتاوى، 25/326.

21)راجع مقالة المفكر الفرنسي آلان مانك بصحيفة (لوموند) : Alain Mainc: in: le Monde, -13-01 -1996

الحوار الوطني

[الكاتب: سمير بن خليل المالكي]

مهما قيل عن عداوة البعيد والغريب، فإنها ليست كعداوة المجاورالقريب الذي هومن جلدتك ويتكلم بلسانك ويساكنك في بلدك وقريتك وربما بجوار بيتك فهو أخبر بمواطن الضعف والقوة فيك، وأخبر بما يؤذيك ويرديك.

ولقد قضى الله عز وجل - ولا راد لقضائه - أن يوجد في الأمة تلك الفئة التي سماها في كتابه باسم لم يكن يطلق من قبل على فئة بعينها وهم"المنافقون"، وحذر منهم أشد تحذير، وحكى من أقوالهم وأفعالهم الكثير الكثير.. وقضى كذلك بأن تفترق هذه الأمة في دينها فرقًا كثيرة، بعضها أخبث من بعض في النحلة وأشد في العداوة والتأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت