فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 719

ولا يدري هؤلاء المساكين الذين يهللون ويرقصون لمقدم السنة الجديدة أنهم - لو تدبروا - إنما يحتفلون بمضي سنة قد خُصمت من عمر قصير.. لعلَّهم لم يقوموا أثناءها بعبادة أو عمل صالح ينفعهم يوم ينادي المنادي: {وَقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] .

النهي عن موالاة المشركين:

ولعلهم أيضًا لا يدرون أن ذلك يدخل في موالاة النصارى باتباعهم في عاداتهم، وتعظيم شعائرهم، ومشاركتهم في خصائصهم؛ وذلك منهي عنه بصريح قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .

قال ابن عطية: (نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى: {فَإنَّهُ مِنْهُمْ} . وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النهي. وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديًا ورهنه درعه) [1] .

وفي هذا المعنى أيضًا قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] ، {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] .

قال القرطبي: (نهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوًا ولعبًا…) [2] .

وذكر العلامة ابن عاشور أن (موقع هذه الجملة - يعني {إنما وليكم الله ورسوله..} - موقع التعليل للنهي؛ لأن ولايتهم لله ورسوله مقررة عندهم؛ فمن كان الله وليَّه لا تكون أعداء الله أولياءه. وتفيد هذه الجملة تأكيدًا للنهي عن ولاية اليهود والنصارى) [3] .

فهؤلاء الذين يسخرون من ديننا لا يستحقون مودتنا؛ لأن (الذي يتخذ دين امرئ هزؤًا فقد اتخذ ذلك المتدين هزؤًا، ورمقه بعين الاحتقار… والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرًا بالموالاة؛ لأن شرط الموالاة التماثل في التفكير، ولأن الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودة تستدعي تعظيم المودود) [4] .

ولا يحسبنَّ المرء أن الموالاة شكل واحد هو التحالف معهم والسير في ركابهم وخدمتهم، بل الموالاة صور متعددة، كما أشار إلى ذلك الشيخ شلتوت: (ولموالاة الأعداء صور وألوان: المعونة الفكرية بالرأي والتدبير موالاة للأعداء، والمعونة المادية بالبذل والإنفاق موالاة للأعداء... والاغترار بزخرف ثقافاتهم، وأن فيها ماء الحياة، وتوجيه النشء إليها، وغرس عظمتها في نفسه، موالاة للأعداء...) [5] .

وهذا لا ينفي أن الموالاة درجات، وأن من مراتبها ما لا يصل إلى مستوى الكفر بحال.

قال ابن عاشور: (قد اتفق علماء السنة على أن ما دون الرضا بالكفر وممالأتهم عليه - من الولاية - لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية، ولكنه ضلال عظيم. وهو مراتب في القوة بحسب قوة الموالاة، وباختلاف أحوال المسلمين) [6] .

والخلاصة - كما قال ابن تيمية - أن (من كان من هذه الأمة مواليًا للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة ونحوها، مثل: إتيانه أهل الباطل، واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم الباطل كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك، ومثل متابعتهم في آرائهم وأعمالهم المخالفة للكتاب والسنة...) [7] .

فتوى قديمة في الاحتفال بالميلاد:

ومن جملة هذه الأعمال التي لا يحل متابعتهم عليها وتقليدهم فيها: الاحتفال بسنة الميلاد. بهذا أفتى الفقهاء منذ قرون.

فقد أورد الونشريسي في (موسوعته) في النوازل أنه قد(سئل أبو الأصبغ عيسى بن محمد التميلي عن ليلة يناير التي يسميها الناس الميلاد، ويجتهدون لها في الاستعداد، ويجعلونها كأحد الأعياد، ويتهادون بينهم صنوف الأطعمة، وأنواع التحف والطرف المثوبة لوجه الصلة، ويترك الرجال والنساء أعمالهم صبيحتها تعظيمًا لليوم، ويعدونه رأس السنة، أترى ذلك - أكرمك الله - بدعة محرمة لا يحل لمسلم أن يفعل ذلك، ولا أن يجيب أحدًا من أقاربه وأصهاره إلى شيء من ذلك الطعام الذي أعده لها، أم هو مكروه ليس بالحرام الصراح؟

فأجاب: قرأت كتابك هذا، ووقفت على ما عنه سألت، وكل ما ذكرته في كتابك فمحرم فعله عند أهل العلم، وقد رويت الأحاديث التي ذكرتها من التشديد في ذلك، ورويت أيضًا أن يحيى بن يحيى الليثي قال: لا تجوز الهدايا في الميلاد من نصراني، ولا من مسلم، ولا إجابة الدعوة فيه، ولا استعداد له، وينبغي أن يجعل كسائر الأيام. ورفع فيه حديثًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يومًا لأصحابه:"إنكم مستنزلون بين ظهراني عجم؛ فمن تشبه بهم في نيروزهم ومهرجانهم حشر معهم") [8] .

وقال الفقيه المالكي سحنون التنوخي صاحب المدونة: (لا تجوز الهدايا في الميلاد من مسلم ولا نصراني، ولا إجابة الدعوة فيه ولا الاستعداد له) [9] .

والحكمة من هذا النهي هي أن يحافظ المسلمون على هويتهم وشخصيتهم المستقلة، فلا يذوبوا في غيرهم من الأمم.

من مقاصد الشريعة تميز الأمة عن غيرها:

ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) . وروي عنه أيضًا أنه قال: (ليس منَّا من تشبه بغيرنا، لا تشبَّهوا باليهود ولا بالنصارى) [10] .

قال العزيزي: قيل في زيهم، وقيل في بعض أفعالهم [11] ، والظاهر عندي أن المعنى على العموم، أي من تشبه بهم في سلوكهم وطرائق حياتهم .. مما هو خاص بهم، دال على هويتهم وشخصيتهم.

فهذا الحديث - كما يقول ابن تيمية: (أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم، كما في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] ) [12] .

ولهذا أيضًا كره بعض العلماء أن يفرد المسلم بالصيام الأيام التي يعظمها غير المسلمين.. حتى لو لم يكن إلى ذلك قاصدًا.

قال ابن قدامة: (ويكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان بالصوم؛ لأنهما يومان يعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكُره كيوم السبت، وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم) [13] .

وذكر ابن قدامة أيضًا أن ابن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدُّونه لرجب كرهه، وذلك أن الجاهلية كانت تعظم هذا الشهر [14] .

إذن؛ فمن مقاصد الدين وغاياته أن تتميز جماعة المسلمين عن الأمم الأخرى... باعتقاداتها وشعائرها وعاداتها وأخلاقها... وكذلك بأعيادها.

لكل أمة أعيادها:

فالعيد هو شعار كل قوم أو شعب، فإذا أمكن لنا أن نستورد من أمة ما أشياء نحن بأمس الحاجة إليها، كبعض السلع والصناعات مثلًا فلا يمكن أن نستورد أيضًا أعيادها وطقوسها في الاحتفال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت