فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 719

ثم راجعت معاني الآيات الكريمات فهدأت نفسي، وظهرت الصورة واضحةً أمام عيني: (إنَّّه الإملاء الإلهي) و (الإمهال الربَّاني) للمتكبِّرين في الأرض، لماذا هذا الإملاء؟ تجيب الآية مباشرة {لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا} وتؤكِّد مباشرة أنّ لهم عند ربِّهم عذابًا مهينًا، وأنّ لهم عنده عذابًا عظيمًا، ومتى يكون هذا العذاب؟ الآيات الكريمات تركت مسألة التوقيت مفتوحة، فهو محتمل أن يكون في الدنيا معجَّلًا، مع كونه حاصلًا في الآخرة لا محالة.

وقد يتساءل الإنسان؟ ماذا أصنع أنا في مقابل هذا الإملاء الإلهي للكفار والطغاة؟ فتأتي الآية التالية لهذه الآيات مجيبة عن هذا السؤال: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .

هنا يظهر الجواب جليًَّا، وهنا يشعر الإنسان المسلم بمسؤوليته أمام ما يجري، وأنْ يعلم أنّ الإملاء والإمهال للكفار، يقابله الابتلاء للمؤمن والاختبار، حتى يتبيَّن الخبيث من الطيِّب، وحتى تظهر حقيقة علاقة الإنسان المؤمن بربِّه في خضمِّ الأحداث، وأنَّه مسؤول عن هذه العلاقة مسؤولية مباشرة، وأنّ إيمانه بالله ورسله إيمانًا قويًّا هو المنقذ من حالة الحزن التي تعتريه بسبب الإمهال لأهل الكفر والضلال، وفي بداية الآيات المذكورة هنا أمرٌ إلهي للإنسان المسلم بألاّ يحزن {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} ، لماذا لا نحزن، لأنَّ أمرهم إلى الله، ولأنّهم لا يضرُّون الله شيئًا، ولأنّ إيمانك بربِّك هو المنقذ لك من حزنك وألمك، ومن طغيانهم وجبروتهم.

وتحسم الآيات التي تأتي بعد هذه الآيات في أواخر سورة آل عمران الموقف بوضوح في قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، ويكون الحسم النهائي للمؤمن بالله، ولكلِّ مسلم واثق بربِّه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، صبرٌ ومصابرةٌ ومرابطةٌ على الحق وتقوى لله، هي طريق الفلاح.

هكذا وقفت أمام هذه الآيات الكريمات متدبِّرًا متأمِّلًا فكانت هذه المعاني العظيمة التي لا يمكن أن يصل إليها القارئ المتعجِّل، مع أنّ أجر التلاوة حاصل للإنسان في كلِّ الحالات بإذن الله تعالى.

نحن والقرآن في رمضان، تلاوة وتدبُّر وأجرٌ وفيرٌ، وعملٌ بما فيه من الخير، وهنا مكمن السعادة.

إشارة

أيُّها الفجر، لا عدمتك فجرًا** تسكب النور في خلايا سهولي

نحو هوية أصيلة عصرية لرؤية إسلامية وسطية (1- 4)

د. عوض بن محمد القرني

كثر الحديث عن الوسطية والاعتدال والمنهج الوسطي، وتفاوتت طروحات كثير من الناس حول مفهوم الوسطية ما بين مشرّق ومغرّب، فالبعض يرى أن الوسطية والاعتدال هي التحلل من ثوابت الدين وأصوله وكلياته والجري وراء محاولات تغريب الدين وعلمنته ولبرلته تحت لافتة عصرنته وتقدميته وتحديثه.

والبعض الآخر يوغل بالإسلام في التشدد والغلو والتقليدية التاريخية.. بعيدًا عن اعتبار مقاصد التشريع وعلل الأحكام وفقه المصالح والمفاسد وعدم تفريقهم بين العقائد والعبادات من جهة، وبين المعاملات والعادات والسياسة الشرعية من جهة أخرى، بل إصرارهم أحيانًا على صورة تاريخية محدودة تعبر عن استجابة مذهبية أو شخصية لتحديات معينة من خلال مرجعية وخلفية إسلامية. ويعتبرون تلك الصورة هي الإسلام الوسطي الخالد الواجب الأخذ به في كل عصر ومصر بما فيه عصرنا ومصرنا.

نعم، قد تكون تلك الرؤية وتلك الاستجابة تجديدية وعصرية وأصيلة في وقتها، وقد يكون العديد من عناصرها ومكوناتها مازال صالحًا لأيامنا وظروفنا ومشكلاتنا بل بعضها سيبقى وبالأخص في أبواب العقائد والعبادات وأصول وكليات المعاملات والعادات، لكنها لا تصلح قطعًا لتغطية كل احتياجاتنا لكثرة ما جدّ من أمور ونوازل وتعقيدها وتشابكها بما لا عهد للسابقين به ولارتباط بعض تلك المكونات بظروفها الزمانية والمكانية.

وبين هاتين الرؤيتين الموغلتين في الإفراط والتفريط يجب علينا أن نتلمس معالم هوية أصيلة عصرية لرؤية إسلامية وسطية، تحافظ على الثوابت والكليات وتفتح لنا آفاق استثمار منجزات العصر وارتياد معارج الرقي والتنمية والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية وفق رؤية إيمانية وفي إطار شرعي، وللإسهام في بلورة هوية للرؤية الإسلامية الوسطية ذات بعدين:

أحدهما: الأصالة

والثاني: المعاصرة.

أحببت أن أطرح رؤيتي الشخصية هذه لأهل العلم والفكر والثقافة المهتمين بالشأن الإسلامي لمناقشتها وتقويمها وبلورتها لعلها تكون لبنة صالحة في تجلية هذا الأمر المهم، ثم بعد ذلك يكون التفصيل في دراسات لاحقة أخرى لما أجمل هنا.

وأهم معالم ومكونات هذه الهوية من وجهة نظري ما يلي:

1 الرؤية الإسلامية الوسطية تمزج بين الأصالة والمعاصرة، ومنطلقها في هويتها تصورًا وعملًا الإسلام بشموله لكل مظاهر الحياة في العقائد والعبادات والنظم والتشريعات والآداب والسلوك.

قال تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) (آل عمران) .

وقال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (المائدة:3) .

وقال تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا (البقرة) .

وقال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين 162 (الأنعام) .

2 مرجعية هذه الرؤية الكتاب والسنة، وتفهم في ضوء قواعد اللغة العربية دون تكلف ولا شطط، وتؤسس فهمها للجزئيات وفق مقاصد الشريعة، وتبنى على ذلك فقه المصالح والمفاسد واعتبار المآلات ومراعاتها والنتائج والعواقب.

قال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى"للمسلمين 89 (النحل) ."

وقال تعالى: ثم جعلناك على"شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون 18 (الجاثية) ."

وقال تعالى: قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون 28 (الزمر: 28 ) .

3 المنهج الوسطي هو منهج أهل السنة والجماعة الذي يرجح فهم السلف دون تعصب لمذهب أو جماعة، ويعرف لأهل الفضل فضلهم ويقبل الحق ممن جاء به، وإن كان بعيدًا بغيضًا، ويرد الخطأ وإن جاء من قريب حبيب.

قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على"ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) (المائدة) .

وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على"أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى"بهما فلا تتبعوا الهوى"أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا 135 (النساء) ."

4 الوسطية تقتضي أن يكون السير في الدعوة للدين والتمكين له والسعي للنهوض بالأمة واستعادة مجدها مراعيًا للسنن الكونية وحدود الاستطاعة البشرية وأحوال المجتمع وخصوصية الزمان والمكان وفق القواعد الشرعية الضابطة للتعامل مع هذه المؤثرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت