هذه المجموعات العرقية المتنوعة احتفظت بخصوصيتها على مدار القرون المتعاقبة ، وكانت التضاريس الجغرافية بمثابة الأوعية التي ساعدت على تثبيت تلك الخصوصية ، حيث وجدت كل مجموعة عرقية"ملاذًا"خاصًا بها في هضبة أو واد أو جبل أو سفح … إلخ . ولم يمنع ذلك من تداخل تلك الأعراق في بعض المدن الكبرى ، مثل كابول ، ومزار شريف ، وهيرات ، وقندهار ، وجلال أباد .
القاسم المشترك بين الجميع كان الإسلام ، فهناك قلة محدودة من اليهود والسيخ ، ولهم كياناتهم المستقلة ، ولذا لم يعد الإسلام في أفغانستان دينًا فقط ، ولكنه صار هوية جامعة وعقدًا فريدًا التأمت في ظله مختلف الأعراق ، ولهذا ظل التمسك به هو القاسم من انفراط العقد وانهيار الدولة.
من جهة أخرى يسود اعتقاد بأن هذا التعدد العرقي الواسع داخل أفغانستان هو الذي يقف حائلًا في وجه أن تضع الحرب أوزارها بين الفصائل الأفغانية المتناحرة ، بيد أن هذا الاعتقاد قد يتلاشى أمام حقيقة أخرى يدركها كل الملمين بطبائع الشعب الأفغاني ، ألا وهي أن الكراهية لعدو مشترك تغير لديه دائمًا كل الحسابات والتحالفات والولاءات ؛ إذ سرعان ما تذيب هذه الكراهية كل جليد الولاءات العرقية ، وتصهر الفصائل الأفغانية في بوتقة واحدة لمواجهة هذا العدو . والدروس التي لقنتها أفغانستان الفقيرة للإنجليز قديمًا والروس حديثًا تمثل شاهدًا واضحًا على صدق تلك المقولة .
وصحيح أن كل مبادرات ودعوات المصالحة قد فشلت في إحلال السلام بين الفصائل الأفغانية ووقف رحى الحرب الطاحنة بين العرقيات المختلفة ، لكن يظل صحيحًا أيضًا - وبنفس القدر - أن التدخل المزعج والدائم لدول الجوار وتغذيتها للعرقيات المتباينة بالسلاح ، ظل سببًا رئيسيًا وراء استمرار المحرقة الدائرة منذ أكثر من عقدين .
وقد لعب خط ديوراند الذي ابتدعته بريطانيا خلال احتلالها شبه القارة الهندية دورًا رئيسيًا في ضم أجزاء من الأراضي الأفغانية إلى باكستان ، مما أدى إلى تقسيم الباشتون وتوزيعهم بين أفغانستان وباكستان التي لا تزال تتهم بميلها إلى الباشتون ومن ثم بأنها هي التي صنعت حركة طالبان والتي تعني بلغة الباشتون"طلبة المدارس الدينية".
المصادر:
-منظمة المؤتمر الاسلامي
-التاريخ الاسلامي المعاصر- محمود شاكر
-فهمي هويدي - صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ6\12\1998م
-مجلة المجتمع الكويتية -العدد رقم 1474
الحفاظ على الهوية العربية يستلزم التصدي للعولمة
الاربعاء:18/07/2001
(الشبكة الإسلامية) ميدل إيست
القاهرة - أكدت دراسة إعلامية متخصصة أنه على الرغم من الآثار الإيجابية للعولمة في المجالين الإعلامي والثقافي في المنطقة العربية إلا أن لها الكثير من الآثار السلبية التي ينبغي على المجتمعات العربية التصدي لها من اجل المحافظة على هويتها.
وذكرت الدراسة التي أعدتها الدكتورة ماجدة صالح الأستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة أن الآثار الإيجابية للعولمة في المجالين الإعلامي والثقافي شملت إحداث تغييرات نوعية في أنماط ومستويات الخدمة الإخبارية التي تقدمها وسائل الاتصال وظهور ما يعرف بدبلوماسية الاقمار الصناعية والإعلام الالكتروني.
ورأت الدراسة التي جاءت تحت عنوان: الآثار الإعلامية والثقافية للعولمة على دول المنطقة العربية وإمكانية مواجهتها"إن العولمة مرادف"للأمركة"وهو مايعني سعى القطب الاوحد، اي الولايات المتحدة، إلى فرض سيطرتها على العالم في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاعلامية خاصة بعد سقوط نموذج الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد المعسكر الاشتراكي."
ولاحظت الدراسة انه من المثير للانتباه رواج الثقافة الاميركية في المنطقة العربية بالرغم من تدنى مستواها سواء بمقارنتها بالانشطة الثقافية داخل الولايات المتحدة او بما تصدره الدول الاوروبية للمنطقة العربية.
وارجعت رواج الثقافة الاميركية في الدول العربية لعدة اسباب من اهمها ادراك الولايات المتحدة مبكرا ان الثقافة المتدنية اكثر رواجا من الثقافة الراقية التي تنحصر بين الدوائر الفكرية والمثقفين ، فضلا عن ان طبيعة المجتمع الامريكي الذي يضم انتماءات عرقية متباينة وقادرة على استيعاب جميع الهجرات الوافدة اليها وبالتالي فهو مجتمع منفتح استطاع ان يضع ثقافة واسعة الانتشار.
وذكرت الدراسة الاعلامية ان من اسباب رواج الثقافة الامريكية في المنطقة العربية توافر الامكانيات المادية والعلمية التي دعمت المنتجات الثقافية الاميركية من سينما وتلفزيون وموسيقى، اضافة الى تفوق الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن الماضي في مجال التعليم العالي والبحث العلمي على اوروبا.
واوضحت الدراسة انه يوجد ما يقارب 120 الف جامعة ومعهد تفتح ابوابها امام جميع الدارسين من انحاء العالم وتقوم بتخريج الآلاف ليعودوا الى بلادهم حاملين معهم الثقافة الامريكية ويقوموا بنشرها بين مجتمعاتهم ، واصفة الثقافة الامريكية بـ"النمطية والسطحية"باعتبارها تساعد على انتشار ثقافة الاستهلاك وتقتل الابداع وتجعل المتلقي سلبيا.
ثقافات لا تقبل الخضوع لأميركا:
وذكرت الدراسة ان الدول الغربية واليابان وكندا واستراليا استشعرت"خطر الغزو الثقافي الاميركي"وتصدت له واخذت تشجع انتاجها المحلى وتنتقى الافضل فيما ظلت الدول النامية - وتحديدا المنطقة العربية - عاجزة عن اتخاذ القرار الحاسم للحد من هذه الظاهرة.
واستشهدت باحصائيات منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( يونيسكو) عن دول المنطقة العربية والتي بينت ان شبكات التلفزيون العربية تستورد ما بين ثلث اجمالي البث كما في مصر وسوريا، اونصف اجمالي البث كما في تونس والجزائر ، اما في لبنان فان مواد البث المستوردة تصل نسبتها الى58.2 بالمائة.
ولاحظت الدراسة ان وسائل الاعلام العربية لا تكتفي بهذا التدفق الاعلامي والثقافي الاجنبي بل تقدم اغلب البرامج الاجنبية بلا ترجمة الى اللغة العربية، وان اخطر ما في الامر ان ثلثي برامج الاطفال تبث بلغة اجنبية، مشيرة الى تراجع وسائل الترفيه الشعبية التقليدية كالحكايات والفرق الجوالة والغناء الشعبي.
ورأت ان التيار الاسلامي الذي يعد من اكثر التيارات تشددا بشأن الهوية والثقافة اتجه نحو الاستفادة من ايجابيات العولمة دون سلبياتها باستخدام التقنيات الحديثة وشبكات الانترنت في الدعاية لنفسه وترويج خطابه السياسي والتنسيق فيما بين اجنحته.
ولاحظت الدراسة ايضا ارتفاع العديد من الاصوات في الدول العربية كافة تنادى بالتمسك بالهوية القومية في مواجهة مشروع"الشرق اوسطية"الذي يهدف الى استبدال هوية المنطقة بهوية اخرى تضم اسرائيل ، مشيرة الى ان الدول العربية كانت من اوائل الدول التي طرحت على منظمة اليونيسكو فكرة الخصوصية والذاتية الثقافية.
واوضحت ان الخلافات السياسية بين الدول العربية عاقت خروج مشروع حضاري حول الخصوصية الثقافية العربية كان من الممكن ان ينجح في اجتذاب جميع النخب الثقافية.
واكدت الدراسة ان آليات مواجهة الغزو الثقافي الاميركى تتطلب انماء الذاتية الثقافية العربية اضافة الى بناء قاعدة تكنولوجية علمية عربية.