عبد المنعم مصطفى حليمة؛ أبو بصير
25/8/1421 هـ
هم العدو فاحذرهم
[الكاتب: سيف الدين الأنصاري]
بسم الله الرحمن الرحيم
من المعلوم أن العقلاء لا يطلبون المعرفة الذهنية من أجل تكديس المعلومات في ثلاجة الذاكرة الميتة، وإنما يطلبونها من أجل إيجاد تصور واضح يمكنهم من الحكم الصحيح على الأمر، بحيث يكون هذا الحكم بمثابة الموقف المبدئي من القضية المتناولة.
ولكن مهما تكن صحة هذا الحكم (الموقف المبدئي) فإن قيمته تبقى قريبة إلى العدم إذا لم تتحول إلى إجراءات عملية تترجم حقيقة الحكم النظري إلى واقع عملي يصنع الحدث أو على الأقل يؤثر فيه، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا} ، أما أن يصبح طلب الحكم النظري من أجل الحكم النظري، أي من غير أن يبنى عليه أي موقف عملي فهي السفاهة التي تقدح في مستوى النضج الفكري والنفسي للإنسان.
ولذلك لم يكن القصد من إثارة علامات المنافقين هو الاستهلاك الكلامي الذي يتحول إلى جدل سفسطائي يقلب الحركة الإسلامية إلى ظاهرة صوتية تُستنزف طاقتُها في معارك جانبية، غالبا ما تؤخر ولا تقدم، إنما القصد أن نمتلك معرفة - أو بالأحرى ضوابط للمعرفة - تمكننا من الحكم الصحيح على الأشخاص الذين يمثلون رقما من الأرقام المشكِّلة لمعادلة الصراع، فنعرف بالضبط المواقع الحقيقية لهذه الأرقام بعيدا عن تأثيرات الأهواء والظنون البشرية. على أن المطلوب النهائي ليس هو الوقوف عند الحكم النظري الذي يختزل ساحة الصراع في عالم الأفكار الذهنية التي لا حظ لها من الواقع، ولكن المطلوب النهائي هو أن يترجم هذا الحكم إلى سياسة عملية تصوغ في النهاية مجموعة من المفردات الإجرائية يكون من شأنها أن تضمن التناسب الدقيق بين الحمولة الفكرية والممارسة الميدانية.
أولًا: هم العدو:
رغم كل ما قد يصدر عن المنافقين من المواقف والممارسات فإن أذهان البعض قد تتثاقل عن استحضارهم عند الكلام عن الأعداء، ويرجع ذلك - حسب نظري - إلى أمرين أساسين، أولهما: أن المشاركة في المظهر تساعد على كسر الحواجز النفسية مما يحدث نوعًا من الاطمئنان إلى الطرف الآخر، قد يصل عند الإنسان السطحي إلى الحد الذي تضيع معه قضية الهوية. وثانيهما: أن الأثر السيء الذي تحدثه أعمال المنافقين لا يقع ابتداء على المسلمين باعتبارهم أفرادًا وإنما يقع عليهم باعتبارهم جماعة، مما يجعل"المسلم الفردي"لا يحس بالوجود الفعلي لحقيقة العدو في هؤلاء القوم. لكن - ومهما يكن السبب - فإن الرؤية الإسلامية ترفض مثل هذا الاسترخاء الذي يغيب معه الاستحضار الجدي للحكم الرباني القاضي بأن المنافقين يجب أن يكونوا حاضرين ضمن لائحة الأعداء. قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُم} [المنافقون:04] .
بل إن المتأمل في {هُمُ الْعَدُوّ} يقف على معنى كبير وعميق أرى من خلال المراقبة أنه غائب عن الأوساط الإسلامية رغم أهميته الكبيرة في التأثير على معادلة الصراع، وهو أنه إذا كان المشرك الوثني عدوًا، والكافر الكتابي عدوًا، والكافر المرتد عدوًا، فإن المنافق ومن على شاكلته {هُمُ الْعَدُوّ} ، بالألف واللام التي تفيد كمال حقيقة العدو فيهم، وهي إشارة واضحة إلى أن إدخال هؤلاء القوم في لائحة الأعداء ليس هو كمال المطلوب، وإنما المطلوب هو أن يوضعوا على رأس هذه اللائحة ليصبح النظر إليهم على أساس أنهم العدو الأول للجماعة المسلمة. قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ} ، قال ابن عاشور: (والتعريف في"العدو"تعريف الجنس الدال على معين، لكمال حقيقة العدو فيهم) [التحرير والتنوير:13/241] .
إن مجرد نظرة أولية إلى نوعية المواقف والممارسات الصادرة عن المنافقين، وإلى الصيغة التي تطرح بها، كافية لإدراك العلة الكامنة وراء {هُمُ الْعَدُوُّ} . أما إذا أضفنا إلى ذلك كله كون تلك الأعمال تتحرك تحت شعار الإسلام وباسمه، فإن عوامل التأثير تصبح حاضرة بشكل يشكل خطورة خاصة على الجماعة المسلمة، لأنها مواقف وممارسات مؤدية في النهاية إلى زرع التضليل وإضعاف الإرادة وخلخلة البناء من الداخل، وهذه الخطورة يصعب أن يشكّلها أي عدو آخر مهما بلغت قوته ومهما اشتدت عداوته.
وهنا لابد من التفريق بين كمال حقيقة العدو وكمال حقيقة العداوة، فإن الأول حديث عن مراتب الأعداء باعتبار الخطر الذي يشكّلونه على الجماعة المسلمة، والثاني حديث عن الأعداء باعتبار درجة الكراهية الكامنة في صدورهم اتجاهها. فرغم أن القرآن قد كشف لنا أن اليهود والمشركين هم {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة:82] ، إلا أنه يقرر - وبكل وضوح وتأكيد - أن المنافقين {هُمُ الْعَدُوُّ} الأول للمسلمين.
فليس الأشد عداوة هو دائما العدو الأول، إذ قد تكون عداوة العدو على أشدّها ولكنه يفتقد إلى مقومات التأثير الفعّال التي تجعله يشكل الخطر الأول على الجماعة المسلمة، وهذا يعني أن ترتيب الأعداء وإن كان يأخذ بعين الاعتبار مستوى العداوة فيهم، إلا أنه يستحضر أولا مستوى الخطورة التي يشكّلونها علينا، ومن هنا كان المنافقون {هُمُ الْعَدُوّ} لأنهم يملكون العوامل المساعدة على الوصول إلى أهدافهم مما يجعل عملهم أكثر تأثيرًا وربما أعمق أثرًا.
قال أبو السعود: (فإن أعدى الأعادى العدو المكاشر الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي) [التفسير:8/252] .
ثانيًا: فاحذرهم:
بعد أن تقرر أن الموقف المبدئي من أولئك المنافقين هو الحكم المتمثل في قوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ} لابد أن ننتقل إلى دائرة العمل الذي يجسد بالدليل الملموس أن هذا الموقف قد استقر حقيقة في الداخل الفكري والوجداني للمؤمن، وهذا يعني الدخول في نوع من الصراع سوف يكون فيه المنافقون هم الطرف الآخر.
لكن الخطة العامة التي ترسمها الرؤية الإسلامية للصراع مع هذا النوع من الأعداء مختلفة شيئًا مّا عن الخطة العامة التي ترسمها للصراع مع غيرهم، فهي تركز أولًا على تفعيل مبدأ الحذر، وذلك لتضمن إبطال المفعول السام لكل المحاولات الهادفة إلى التأثير على الجماعة المسلمة من الداخل دون أن تتثير الكثير من المشاكل الجانبية التي قد تستنزف الطاقة فيما يشبه الاستغراق في التناحر الداخلي الذي يحول المعركة باتجاه"الذات" (أتحبون أن يقال محمد يقتل أصحابه) [الحديث] ، قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُم} .
قال القرطبي: (وفي قوله تعالى"فاحذرهم"وجهان، أحدهما فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم، والثاني فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك) [التفسير:18/126] .
ورغم أن إجراءات هذا الحذر تختلف من واقع لآخر، تبعا للمعطيات الذاتية والموضوعية إلاّ أن هناك بعض الإجراءات العامة التي يمكن أن تحقق الحد الأدنى من الهدف نختصرها فيما يلي:
1)عدم الثقة بأقوالهم:
الذي تظهر عليه علامات النفاق وتتكرر منه بحيث تصبح من السمات البارزة في شخصيته يصير في عرف الشريعية الإسلامية ساقط العدالة!! وهذا يعني أننا مطالبون بأن لا نثق بأقواله، بحيث نسارع إلى تصديقها، لأننا باختصار لا نسلم بعدالة قائلها، خصوصا عندما نستحضر أن الكذب من السياسات المعمول بها عند المنافقين، قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة:74] .