العلمانية تدَّعي أن الدولة لا تتدخل في دين الناس؛ فكل فرد حرٌّ بأن يتبع الدين الذي يريده. ومع ذلك فالدول العلمانية تطلق الحركات التنصيرية وتدعمها بالمال والإعلام وغير ذلك. وأما الإسلام، الدين الواحد الحق من عند الله، فيجعل أول مسؤوليات الدولة حماية الدين الإسلامي وإقامة شرعه والدعوة إليه، ونشره في الأرض كما أُنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-.
{إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19] .
{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] .
وكذلك:
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .
ولقد لاحظنا في كثير مما كتب ردًا على شيراك وشيخ الأزهر أنهم تحاكموا إلى العلمانية وقوانينها في ردودهم، وإلى أعراف وقوانين يبرأ الإسلام منها. إن واجب كل مسلم، كما هو واجب شيخ الأزهر، أن يرد كل قضاياه صغيرها وكبيرها إلى الكتاب والسنة، وأن يخرج برأي تدعمه الحجة والبينة من الكتاب والسنة، ولا بأس بعد ذلك أن يرد عليهم من خلال علمانيتهم وديمقراطيتهم. ولكن أين الديمقراطية التي يزعمونها؟ إنها عدوان واحتلال ونهب لخيرات الشعوب. إنها شعار كذب في المواقع كلها، وخدع به المسلمون كما خدعوا بغيره من الشعارات.
إننا ندرك أننا اليوم ضعفاء. ولكن ضعفنا لا يحل لنا تغيير دين الله، ولا أن نتخلى عنه ولا أن نتنازل عن شيء منه مراءاة لأحد من خلق الله. ولا بد أن يعي المؤمن أنه مهما تنازل عن شيء من دينه مراءاة إلى العلمانية ودولها، فإن ذلك لن يكسبه ودهم، وإنما يخسر بذلك أمرين:
أولًا: يخسر رضا الله.
ثانيًا: يخسر مهابته في قلوب أولئك، فيكون من الخاسرين، كما قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[آل عمران: 85] .
ومهما بذل المسلم من أجل هذه المراءاة فلن ينال رضاهم أبدًا: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] .
فإصدار قرار بمنع الطالبات المسلمات من الحجاب في المدارس الفرنسية هو هوى من النفوس لا حجة له من الدين أو العلم أو الأخلاق؛ فهل نسي شيخ الأزهر هذه الآيات الكريمة فاتبع أهواءهم؟!
إننا ندعو شيخ الأزهر إلى التوبة من فتواه هذه، إلى أن يتوب إلى الله؛ ففتواه خرجت به عن حدود الفتوى إلى المعصية والإثم، فَلْيَتُبْ وليعلنْ توبته قبل أن يلقى الله وهو من الخاسرين، ليس له من الله ولي ولا نصير.
ونقول للمسلمين في فرنسا وغيرها أن اثبتوا على دين الله إيمانًا وعلمًا ودعوة وبلاغًا على نهج جليٍّ، مهما كلفكم ذلك، واعلموا أن الضرورة الشرعية هي الحالة التي تهدد المسلم بالموت من الجوع والعطش وأمثاله. وهي ضرورة للفرد، لا يُعقل أن تكون ضرورة للأمة كلها أو للجماعة، ليتنازلوا عن دين الله.
ونقول للمسلمين بعامة كفاكم تنازلات، فاجهروا بالحق، بدين الله، بالإسلام، عن إيمان وعلم وخشية من الله لا خشية من الناس، وادعوا إلى دين الله واجهروا به؛ فهو مصدر قوتنا وسبب نجاتنا، فاجهروا بدين الحق ولا تنحرفوا ولا تتنازلوا مهما تكن المغريات، وإلا فالهلاك الهلاك!
إن القضية لدى فرنسا وغيرها ليست قضية الحجاب، إنها قضية الإسلام ورسالته، قضية الإيمان بالله وبدينه.
إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يعط لأحد من خلقه الحق في أن يكفر فيكون في نجاة مع كفره، كلاَّ! إن الله يريد من عباده الإيمان الصادق النابع من القلب واليقين، ومن التأمل والتفكير، ومن رسالة النبوة الخاتمة؛ فمن آمن فله الجنة والأجر والثواب، ومن كفر فله جهنم والعذاب الشديد: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}
[الكهف: 29 - 30] .
ولا يتكئن أحدٌ على سوء تأويله لقوله ـ سبحانه وتعالى ـ: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ؛ فعليه أن يكمل الآية ليتضح المعنى: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة: 256 - 257] .
(1) مجلة المجتمع الكويتية: العدد (878) ، 4/ 9/1409هـ الموافق 16/8/1988م، بعنوان: «العمل الإسلامي والدولة الإسلامية» ، والعدد (1289) ، 27/10/1418هـ الموافق 24/2/1998م، بعنوان: «العلمانية والمسلمون في الغرب» .
الحجاب .. وحرب قديمة لم تنتهِ
ممدوح إسماعيل
الحرب ضد الحجاب قديمة بدأت في مصر منذ أكثر من مائة عام؛ حيث ظهر أول صوت من أعداء الإسلام وأنصار التغريب ضد حجاب المرأة المسلمة، ومنذ ذلك الحين لم تهدأ المعركة التي اشتعلت نيرانها في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي بل وغير الإسلامي.