ولا شك أن الهوية الوطنية في المجتمعات الإسلامية هي في حقيقتها"فراغ اجتماعي"وأي أمة إذا حدث فيها فراغ اجتماعي، حدثت فيها ظواهر"اغتراب"... وفقدان"انتماء"، وهذا هو ما حدث في ظل حكم العلمانية، وصلنا إلى المعادلة الصعبة وطن بلا مواطنين، ومواطنون بلا وطن وفقد أفراد الأمة الانتماء للأمة وانعزل كل فرد في داخل نفسه، وعاش همه الفردي.
وأصبح العقلاء والحكماء من الأمة غير قادرين على التأثير لفقدهم مساندة الأمة، وصارت الكلمة للأراذل، وصار الحكم للسفهاء، وإذا حكم الأراذل فهو الفساد العريض، والجهود الضائعة، واستنزاف الطاقات، واعتقال العقول.
وهذا هو ما تعانيه مجتمعاتنا اليوم في ظل حكم الأراذل والسفهاء من زعماء العلمانية الذين يدفع بهم أعداء الأمة إلى القيادة بأيد خفية ليقوموا بعملية تغييب الهوية الحقيقية للأمة... الإسلام... واستبدالها بهويات أخرى... وطنية أو قومية، تخرب بنيان الأمة، وتجعلها أكثر قابلية لعملية الامتصاص والاستغلال من قبل الأعداء.
فهؤلاء الزعماء في الحقيقة يقومون عبر العلمانية بإعادة ترتيب وتنظيم المجتمعات الإسلامية لتكون أكثر قابلية للتعايش مع أعدائها... وذلك لأنهم عملاء يقومون بالدور المطلوب منهم لقاء الأجر الذي يحصلون عليه... سواء كان هذا الأجر سلطانًا في الأرض أو شهرة وذيوع صيت، أو مالًا حرامًا، أو شهواتٍ دنسة.
فإذا أردنا أن نسقط هؤلاء الأراذل العملاء، فلا بد من رفض العلمانية ليكون الإسلام هو محور اجتماع الأمة، وتزول ظواهر الاغتراب وفقدان الانتماء... وتدفع الأمة بأولي الألباب والحكماء إلى القيادة.
وإذا تولى أولوا الألباب قيادة الأمة، كان الاجتماع على الإسلام، والولاء والبراء عليه، فكانت هذه الهوية الإسلامية حافزًا لصنع الحضارة، ودافعًا للفاعلية... ووقتها سيكون الميلاد الجديد للفرد المسلم الذي يحقق في سنوات ما لا يحققه غيره في عقود، وللأمة المسلمة صاحبة الوثبة القوية، والانطلاقة الواسعة التي يتحطم الأغلال التي وضعها الأعداء على المارد الإسلامي عبر العلمانية... وعبر حكم الأراذل والعملاء
(6) لتكون شريعة الله هي العليا
[الكاتب: محمد محمد بدري]
وأولًا... وأخيرًا... نحن نرفض العلمانية لتكون...
شريعة الله هي العليا...
فقد جاء الإسلام ليكون دين البشرية كلها، ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعًا ولتهيمن على ما قبلها من الشرائع، وتكون هي المرجع النهائي، ولتقيم منهج الله لحياة البشرية حتى يرث الله ومن عليها. والمنهج الذي تقوم عليه الحياة في شتى شعبها ونشاطها، والشريعة التي تعيش الحياة في إطارها وتدور حول محورها، وتستمد منها تصورها الاعتقادي، ونظامها الاجتماعي، وآداب سلوكها الفردي والجماعي.
وقد نَزّه الله شريعته عن التناقض والفساد، وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد... فهي صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج... لم تأمر بشيئ فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحَجِي لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها، وباطنها أجمل من ظاهرها... شعارها الصدق وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفصل، لا حاجة بها البتة إلى أن تكمل بسياسة ملك، أو رأي ذي رأي... أكملها الله الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسة الملوك فقال سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا} .
وبقيت هذه الشريعة تحكم حياة المسلمين منذ قيام المجتمع الإسلامي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين، ثم الخلفاء الأمويين وإن كان بدر منهم بعض الانحرافات، إلا أن الحكم الذي ظل الناس يتحاكمون إليه هو شريعة الله، ثم جاءت الدولة العباسية، وكان الشرع أيضًا هو نظام الحكم مع وجود ثغرات قوية بعض الشيئ... ثم جاء التتار، وكان كتابهم الياسق الذي تحدثنا عنه سابقًا، ولكن المسلمين لم يستسلموا له، فزال أثره بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم. وبقيت شريعة الإسلام هي الشريعة الوحيدة التي تحكم حياة المسلمين، يردّون إليها عند التنازع، ويتحاكمون إليها عند الاختلاف... ولم يحدث أبدًا أن استبدلت الأمة بشريعة الإسلام شريعة أخرى... حتى غزت العلمانية ديار الإسلام فقامت بتنحية شريعة الله عن الحكم، وجعلت الشريعة الغالبة، والسلطان المهيمن، هو سلطان غير الله، وشريعة غير الله.
ولذلك وجب على كل مسلم أن يكفر بهذه العلمانية، وأن يرفض الأنظمة القائمة عليها، ولا يرضى بها ولا يرضى عنها... حتى يعلو سلطان الله، وتعز راية القرآن وتكون شريعة الله هي العليا.
ماذا تريدُ أن تعرفَ عن"حزبِ اللاتِ ؟ حقائقٌ مهمةٌ"
السابق
من هامش الحياة إلى نسيجها
( النظام اللبناني غير شرعي ومجرم ) و ( من الضروري تسلُّم المسلمين الحكم في لبنان كونهم يشكلون أكثرية الشعب ) [1] .
فَتْوَيَانِ: الأولى خمينية ، والأخرى خامنئية ، وضعتهما الحركة الشيعية في لبنان في بؤرة القلب وبؤبؤ العين ، ورفعتهما إلى مرتبة الهدف الذي يُسعى لتحقيقه .
كما أفتى رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ، مهدي شمس الدين بذلك أيضًا حين قال: إن الدولة وجدت نتيجة لعقْدٍ ، هذا العقد تبرمه الأكثرية من المواطنين بإرادتهم الحرة ، فينتج عن إبرامه كيان الدولة ، ومن المؤكد أن التنازل عن الهوية الثقافية والدينية ومظاهرها في المؤسسات والقوانين يتنافى مع موجبات هذا العقد ، ولا يؤثر على موجبات هذا العقد موقف الأقلية التي توافق على التنازل عن هذه الهوية ؛ فإن على الأقلية في هذه الحال أن تخضع للأكثرية [2] .
وفي معرض رده على الأسئلة الموجهة إليه في أحد البرامج قال محمد حسين فضل الله الزعيم الروحي لحزب الله - هكذا يلقب -: لم يكن هؤلاء الذين حكموا العالم الإسلامي في الماضي يحكمون باسم الإسلام ؛ فنحن لا نعتقد - على سبيل المثال - أن الحكم العثماني كان عادلًا وحرًا وإسلاميًا ! ! [3] ، [4] .
وهكذا يُخرج الفقهاء الشيعة فتاويهم دون اعتبار لعامل التاريخ أو الجغرافيا ومن دون تقية كذلك .
ولأثر التبديل فقد احتل الفقهاء والآيات والحجج مكانة عالية بلغت درجة التقديس ، وأضحت الفتاوى الصادرة عنهم ، بل حتى الكلام المجرد من القداسة الدينية ، يتمتع بمرتبة القداسة في نفوس أتباعهم .
وكما مر - في الحلقة السابقة - فقد دأب الفكر الإمامي على ربط ( الأمة ) الجعفرية برموز غير قابلة للنقد أو التجريح ، وأعطاهم - أو أعطوا لأنفسهم - صلاحيات وصلت إلى خصائص الإمام الغائب المعصوم ، المعيَّن من قِبَلِ الله - تعالى - ! !
ولقد تجاوزت هذه الصلاحيات ما كان يتمتع به الشاه المستبد الطاغية الدكتاتور عميل الإمبريالية والصهيونية ! ! فقد أقر مجلس الخبراء الإيراني إعطاء الولي الفقيه صلاحيات تفوق ما كان مخولًا به للشاه السابق ، ونص على ذلك في المادة (107) [5] والفقرة (110) من الدستور الإيراني [6] .